منذ نعومة أظفارنا في لجان الاختبار، كانت تتردد على مسامعنا تلك الجملة الشهيرة "بص في ورقتك"، ظننا حينها أنها مجرد تعليمة مدرسية لعبور ماراثون الامتحان، ولم ندرك أنها دستور حياة، ومنهج سعادة، وقارب نجاة من بحور الغل والتباغض.
لكن الواقع اليوم يشي بأن الكثيرين قد غادروا قاعات الدراسة، وما زالوا يتركون أوراقهم "بيضاء" ليملأوا أعينهم من أسطر غيرهم، ويقحموا أنفسهم في شؤون لا تخصهم، وكأن حيوات الآخرين باتت هي المشاع، وحياتهم هم طي النسيان.
إننا نعاني من فئة "المقتحمين" الذين لا يهدأ لهم بال إلا إذا تتبعوا الخطوات، وتحسسوا التحركات، وفككوا شفرات النجاح لدى الغير لا ليقلدوه، بل ليرصدوا فيه "العورات".
هؤلاء المشغولون بالناس عن أنفسهم، يقتاتون على أخبار الرفاق، ويستنزفون طاقاتهم في مراقبة النعم، فما استلذوا بنعمة بين أيديهم طالما بقيت أعينهم معلقة بما في أيدي غيرهم.
إنها مأساة "الاستحواذ" التي تجعلهم يظنون أن الخير إذا نزل بساحة جارهم، فقد انتقص من رصيدهم، وكأن خزائن السماء تضيق بالجميع.
هؤلاء المتطفلون لا يكتفون بمجرد النظر، بل يمارسون "الاستكثار" في أبشع صوره، فيرون في سعادتك ضياعاً لبوصلتهم، وفي نجاحك إعلاناً لفشلهم.
إنهم لا يهنأون بأنفسهم طالما ظلوا سجناء في زنزانة المقارنة، يراقبون من تزوج، ومن سافر، ومن ترقى، ومن عمل ونجح، متناسين أن العمر يمر وهم واقفون على الأرصفة يشاهدون موكب الحياة يمر من أمامهم.
هم لصوص اللحظة الذين يسرقون من أنفسهم حق الاستمتاع بما يملكون، فقط لأنهم أدمنوا النظر في "ورقة" الجار.
يا عزيزي، إن الحياة امتحان قصير، والأسئلة فيه تختلف من شخص لآخر، فما نفعك إذا غششت إجابة لسؤال لم يُطرح عليك أصلاً؟ إن الانشغال بالنفس ليس أنانية، بل هو قمة التصالح مع الذات.
الذي ينظر في ورقته يبدع، والذي يراجع أسطره ينجح، أما الذي يلتفت يميناً ويساراً، فلن يحصد في النهاية إلا التعب وضياع الوقت.
فلنعد إلى أوراقنا، ولنحبر سطورنا بالرضا، فمن راقب الناس مات هماً، ومن راقب نفسه عاش قمة وعلماً.