سبت النور .. علاقة المصريين القدماء بالكحل

السبت، 11 أبريل 2026 04:30 م
سبت النور .. علاقة المصريين القدماء بالكحل عيون فرعونية

أحمد إبراهيم الشريف

يأتى الحديث عن الكحل مع "سبت النور" بوصفه واحدًا من أكثر عناصر الذاكرة الشعبية حضورًا فى هذا اليوم، حين تحتفظ المخيلة المصرية بعادة قديمة تتصل بالعين، والزينة، والحماية، والبركة، لكن هذه العادة، حين ننظر إليها من زاوية التاريخ الثقافى، تقودنا إلى طبقة أقدم بكثير، طبقة مصرية قديمة كان فيها الكحل جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، ومادة تجمع بين الزينة والطب والوقاية فى آن واحد، فالمعطيات الأثرية المحفوظة فى المتاحف تؤكد أن المصريين القدماء استعملوا دهان العين على نطاق واسع، رجالًا ونساءً، وأنهم خصصوا له أوعية وأعواد تطبيق دقيقة، بما يدل على أنه كان ممارسة راسخة ومستمرة فى ثقافتهم.

وتكشف القطع الأثرية الخاصة بالكحل فى الفن المصرى القديم عن هذا الحضور بوضوح، فمتحف المتروبوليتان يعرض أوانى كحل ترجع إلى الدولة الوسطى والدولة الحديثة، منها إناء كحل من الأسرة الحادية عشرة، أى من نحو 2051 إلى 2000 قبل الميلاد، بما يعنى أن استخدامه مثبت أثريًا منذ عصور مبكرة جدًا، كما يعرض جرة كحل من أوائل الأسرة الثامنة عشرة عُثر داخلها على بقايا من معدن الجالينا، أحد أهم المواد التى استُخدمت فى تكوين الكحل الأسود لدى المصريين القدماء، هذه الشواهد وثيقة مادية تقول إن الكحل كان حاضرًا فى تفاصيل الحياة الشخصية، حتى إنه وُضع مع المتوفين فى بعض المدافن ضمن مقتنياتهم اليومية.

الكحل
الكحل

ولم يكن الكحل فى مصر القديمة مقصورًا على المعنى الجمالى. فالمصادر المتحفية والدراسات المرتبطة بالطب المصرى القديم تشير إلى أن دهان العين كان يُحضَّر من معادن مثل المالاكيت والجالينا، ثم يُطحن ويُمزج بمادة دهنية، ويُوضع حول العين بواسطة عود صغير. وكان اللون الأخضر المصنوع من المالاكيت أقرب إلى الزينة، بينما ارتبط الأسود المصنوع من الجالينا بوظائف أوسع، منها تخفيف وهج الشمس الساطع، وطرد الذباب، والمساعدة فى الوقاية من بعض مسببات أمراض العين التى كانت شائعة فى البيئة المصرية. بل إن متحف المتروبوليتان يصف دهان العين فى مصر القديمة بأنه كان، من حيث الوقاية من المرض، يأتى مباشرة بعد الماء.

وهنا تكتسب المادة معناها الحضارى الكامل. فالكحل لم يكن مجرد لون يوضع حول العين، وإنما كان جزءًا من فهم المصريين القدماء للجسد وعلاقته بالبيئة. الشمس الحادة، والغبار، والحشرات، وأمراض العيون، كلها عناصر جعلت من العين موضع عناية خاصة، ولذلك بدا الكحل أقرب إلى نقطة التقاء بين التجميل والطب. ومن اللافت أن بعض أوعية الكحل زُينت بصور للإله "بس"، وهو إله ارتبط بالحماية وردّ الشرور، بما يضيف بعدًا رمزيًا آخر، ويكشف أن وضع الكحل لم يكن خاليًا من المعانى الوقائية والاعتقادية أيضًا.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم بقاء الكحل فى الذاكرة المصرية حتى الأزمنة المتأخرة، ثم دخوله إلى عادات شعبية ارتبطت بمناسبات دينية مثل "سبت النور"، فالمصادر الكنسية لا تجعل الكحل جزءًا من الطقس الدينى نفسه، لكنها تذكر "سبت النور" بوصفه ليلة انتظار القيامة والنور، بينما تحتفظ الذاكرة الشعبية المصرية بعادة التكحيل فى هذا اليوم كفعل رمزى يتصل بالعين والضوء والحماية. وبذلك يلتقى الموروث الشعبى مع طبقة أقدم من التاريخ، حيث تستعيد الثقافة مادة قديمة وتعيد توظيفها داخل سياق جديد.

إن ما يلفت النظر فى قصة الكحل قدرته على العبور من عصر إلى عصر دون أن يفقد جوهره تمامًا. فقد بدأ فى مصر القديمة أداة للزينة والوقاية، ثم تحول عبر القرون إلى عنصر فى العادات الاجتماعية والشعبية، وظل محتفظًا بعلاقته الوثيقة بالعين باعتبارها موضع الجمال والحساسية والخوف من المرض فى الوقت نفسه. ولهذا فإن استعادة الكحل بمناسبة "سبت النور" قراءة لواحد من الخيوط الدقيقة التى تربط المصريين المعاصرين بأجساد أجدادهم وطقوسهم ونظرتهم إلى العالم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة