أحمد إبراهيم الشريف

الحياة فى الأبراج الرملية.. رواية عمرو البطا عن العالم المرتبك

السبت، 11 أبريل 2026 10:00 ص


حين انتهيت من قراءة رواية "الحياة فى الأبراج الرملية" لعمرو البطا، والصادرة عن دار الشروق، لم أجد نفسى مشغولًا فقط بمصائر الشخصيات أو بتفاصيل الحكاية، بل بالعالم الذى نعيش فيه الآن، ذلك العالم المرتبك، المهدد، المملوء بالخوف، والذى صار فيه الإنسان أقل قدرة على الفهم، وأكثر عرضة للقلق والتوتر والانكسار، لا أعرف لماذا قادتنى الرواية بهذه القوة إلى التفكير فى الحرب الدائرة فى الشرق الأوسط، وفى العقليات التى تدير هذا الخراب، وفى الإنسان العادى الذى لا يملك تفسيرًا كاملًا لما يجرى حوله، لكنه يدفع الثمن كاملًا من روحه وأعصابه، وربما كانت قيمة الرواية الكبرى أنها لا تقول ذلك مباشرة، ولا ترفع شعارات، ولا تتورط فى خطاب مباشر، لكنها تخلق مناخًا نفسيًا وفكريًا يجعل القارئ يرى العالم من خلالها، ويقول نحن بالفعل نحيى فى أبراج رملية.

العنوان شديد الدلالة، فالأبراج توحى بالعلو والقوة والرغبة فى التماسك، لكن الرمل ينسف هذه الفكرة من أساسها، ويحولها إلى رمز للهشاشة والزوال وعدم القدرة على الثبات.

وإذا اقتربنا من الرواية من زاوية تحليل الخطاب، أمكننا أن نرى كيف يشتغل النص على إنتاج هذا الإحساس بالهشاشة والتهديد، فالرواية لا تقدم عالمها بوصفه عالمًا واضحًا، محددًا، مستقر الدلالة، وإنما بوصفه فضاءً ملتبسًا، تتراجع فيه الحدود بين اليقين والشك، وبين الفهم والعجز عن الفهم، الأحداث بدأت من نقطة واحدة فى شارع عام لكنها تناثرت ما بين القاهرة والمدن المحيطة بها وما بين الأبراج والصحراء.

والخطاب فى الرواية لا يقوم على الحسم، بل على زعزعة الحسم، لا يذهب إلى المعنى الواحد، بل يفتح المعانى على احتمالات متعددة، وهذا فى حد ذاته تعبير عن وعى مأزوم بالعالم، فالعالم المتوتر لا يمكن أن ينتج خطابًا مطمئنًا، والعالم الذى تحكمه المخاوف والفساد والالتباس لا يمكن أن يتكلم بلغة مستقرة وشفافة، لذلك تبدو الرواية، فى لغتها وبنائها وإيقاعها، ابنة هذا الارتباك العميق.

ومن أهم ما يلفت فى خطاب الرواية أنها تجعل الخوف حالة عامة لا عرضًا عابرًا، فالشخصيات المتعددة جميعًا بداية من القتيل المجهول مرورا بشحاتة ودعاء ومطيعة وأمها ويوسف وعمرو وجميلة... إلخ، لا تبدو مطمئنة إلى العالم، ولا حتى إلى أنفسها، هناك شعور دفين بأن شيئًا ما ليس على ما يرام، وأن الحياة فقدت توازنها الداخلي، وهذا ما يجعل الرواية، فى عمقها، نصًا عن الإنسان المعاصر وهو يفقد يقينه بالتدريج.

ومن هنا أيضًا يمكن قراءة الرواية بوصفها نصًا عن الإنسان غير المدرك لعالمه إدراكًا كاملًا، وليس المقصود هنا الجهل المباشر، بل ذلك العجز الوجودى عن الإحاطة بما يحدث، فالعالم أكبر من الفرد، وأكثر تعقيدًا من قدرته على الفهم، والقوى التى تدير الواقع تبدو بعيدة وغامضة ومتعالية، فيما يبقى الإنسان العادى أسير النتائج، هذه البنية الخطابية تجعل الرواية قريبة من روح عصرنا، عصر الأخبار المتلاحقة، والحروب المفتوحة، وبهذا المعنى فإن الرواية لا تتحدث فقط عن شخصياتها، بل عن بشر كثيرين يعيشون فى العالم الآن.

ولعل ما يضاعف أثر هذا كله أن كاتب الرواية شاعر أيضًا، وهذا ترك أثره واضحًا فى النبرة وفى طريقة بناء الإحساس، فليست العلاقة بين عمرو البطا الشاعر وعمرو البطا الروائى علاقة انفصال، بل علاقة تداخل، فالشاعر فيه يظهر فى القدرة على تكثيف الحالة، وفى صناعة الإيقاع النفسي، وفى التقاط التوتر الداخلى للأشياء، والرواية هنا لا تسير فقط بالحكاية، بل بالحساسية أيضًا، حساسية ترى العالم من شروخه.

لهذا كله بدت لى "الحياة فى الأبراج الرملية" رواية عن العالم أكثر من كونها رواية عن حكاية محددة، إنها نص يلتقط روح التوتر التى تسكن زمننا، ويعيد صياغتها فنيًا، ويجعل القارئ يخرج منه وهو أقل اطمئنانًا، وأكثر وعيًا بهشاشته وهشاشة العالم من حوله، وهذا جوهر ما يثيره الأدب.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة