علا رضوان

الحياة بعد سهام.. فيلم لبعث الموتى وتحنيط الذكريات

السبت، 11 أبريل 2026 05:16 م


منذ اللحظة التى وقع فيها الإنسان فى غرام السينما، كان يبحث فى الحقيقة عن "آلة زمن"، شيء ما يمسك يد العمر قبل أن يفلت، ويخبئ ضحكات من نحب فى عتمة الصالات لتظل مشتعلة للأبد.. السينما فى جوهرها ليست مجرد "حواديت"، بل هى صرخة إنسانية رقيقة فى وجه الموت، ومحاولة ذكية لتحنيط اللحظة التى نخشى ضياعها.

بهذا الإحساس تحديداً، يأخذنا المخرج "نمير عبد المسيح" فى رحلة بصرية شديدة العذوبة بفيلمه "الحياة بعد سهام". إنه ليس مجرد فيلم رثاء، بل هو رسالة حب طويلة وموجعة، تحولت فيها الكاميرا من مجرد أداة تصوير إلى "عين دامعة" تحاول لم شمل عائلة تشتتت بين برد باريس ودفء الصعيد.
الحكاية تبدأ بضربة موجعة فى عام 2015، حين رحلت "سهام". الأم التى كانت هى "الوتد"، هى القلب الذى يضبط إيقاع البيت ويوازن صمت الأب "وجيه". فى تلك اللحظة، لم يجد الابن المكسور وسيلة يواجه بها قسوة الوداع سوى الكاميرا؛ احتمى بها كدرع، وكأنه يرفض أن يصدق أن أمه تتلاشى. لكن ما بدأ كمحاولة للتوثيق، تحول إلى رحلة "تطبب" طويلة، غاص فيها نمير داخل صمت والده، باحثاً فى تجاعيد وجهه عن بقايا قصة حب قديمة كانت هى سر الوجود.
أجمل ما فى الفيلم هو "التمرد". نمير رفض أن يسجن ذكرى أمه فى قالب وثائقى جامد، وتذكر أمنيتها القديمة بأن تكون "نجمة" فى فيلم روائى بجانب الكبار. ولأن الماضى يفتقر لصور البدايات، صنع نمير معجزته الخاصة؛ استلف من أفلام "يوسف شاهين" كلاسيكيتها لتكون هى الخلفية لشباب والديه. ببراعة الساحر، مزج بين فيديوهات المنزل القديمة، ورقة الرسائل المكتوبة بخط اليد فى السبعينيات، وسحر الشاشة الفضية. هكذا، أصبحت "سهام" هى البطلة المطلقة، وحقق لها ابنها خلوداً سينمائياً يجعلها حاضرة أبداً، تضحك وتعيش بين الضوء والظلال.
تتحدث الصورة فى الفيلم بلغة "المشاعر الجغرافية". فى فرنسا، تشعر أن الكاميرا مخنوقة، مرتبكة وهى تراقب روتين الأب الوحيد. لكن بمجرد أن تنتقل الكاميرا إلى قرية "أم دومة" فى سوهاج، تنفرج الزوايا وتشرق الشاشة بحرارة اللقاء وحكايات الخالات وصوت الجذور. هناك، فى قلب طين الجنوب، غسل الابن روحه من تعب الغربة وأعاد وصل ما انقطع من هويته.
أما الموسيقى، فلم تكن مجرد خلفية؛ كانت "صوت الوجدان". أغانى حليم وعبد الوهاب كانت تعبر عن لوعة المهاجر. والمؤثر حقاً، هو إصرار نمير على الحديث بلسان عربى "متعثر"، رافضاً تجميل لغته المكسرة. كان ذلك رداً للجميل؛ فأمه حاولت يوماً أن تكتب له بالفرنسية لتصله، فجاء هو ليتهجى لغتها الأم ليعانق روحها.
فى النهاية، "الحياة بعد سهام" ليس فيلماً عن الموت، بل هو احتفال مبهج بالوجود. أدرك نمير أن معجزة السينما الحقيقية لا تكمن فى تذكر الموتى، بل فى إعادة الأحياء إلى "الحياة" مرة أخرى. الفيلم أخرج الأب من عزلته، وأعاد الابن إلى نفسه، ومنح سهام ثوباً من الضوء لا يبلى. ستظل سهام تبتسم من خلف العدسة، لتخبرنا أن الصورة حين تُصنع بحب صادق، تكون هى السلاح الوحيد القادر على هزيمة النسيان.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة