في ظل تصاعد التوترات والحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتجه الأنظار عادة إلى التداعيات العسكرية والسياسية، غير أن الأثر الحقيقي يمتد إلى قطاعات تبدو بعيدة ظاهريًا عن ساحة الصراع، وفي مقدمتها صناعة النشر، فمع أي اضطراب في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، تبدأ ملامح أزمة جديدة في التشكّل داخل سوق الكتاب، لتطال أسعار الورق، وتكاليف الطباعة، وحتى قدرة القارئ على اقتناء المعرفة، وفي ضوء ذلك تواصلنا مع الناشر محمود عبد النبى عضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين المصريين ورئيس لجنة العلاقات العامة للحديث عن تأثير الحرب الإيرانية الأمريكية على مدخلات صناعة النشر.
صناعة النشر تفوق صناعة السياحة
قال الناشر محمود عبد النبى، رئيس لجنة العلاقات العامة باتحاد الناشرين، إن صناعة النشر تعد واحدة من الصناعات الإبداعية الهشة، فهي صناعة تتأثر تأثر كبير بأي أحداث، ويمكن القول إن صناعة النشر تفوق صناعة السياحة، ومن الأمثلة الكبيرة على ذلك هي الفترة التي عاشها العالم أجمع وقت انتشار وباء كورونا، حيث ظل الناشرين في مأساة حقيقية استمرت لمدة عام ونصف العام تقريبًا، ولم يقتصر ذلك التأثر على صناعة النشر والناشرين في مصر والوطن العربي فقط، بل امتدت إلى جميع أنحاء العالم، وقد حرصت الحكومات وقتها على تقديم الدعم لصناع النشر في دولهم بإجراءات فرضت نفسها بعد ذلك لمساعدتهم على تخطي الأزمة والعودة بسرعة.
زيادة 20% على أسعار مدخلات النشر
وأضاف محمود عبد النبى في تصريحات خاصة لـ "اليوم السابع" أن منذ انطلاق الحرب الأمريكية الإيرانية شهدت مدخلات صناعة النشر في مصر تأثرًا كبيرًا والتي يتم استيرادها بالكامل من الخارج، وتشمل الأوراق، الغراء، والأحبار، ولذلك فإن قلة تدفق الإمدادات وسعر الصرف أدى لنتيجة فورية، حيث تم رفع سعر طن الورق بنسبة تتراوح من 15% وحتى 20% وهو ما سيؤثر على الناشر بصورة مباشرة ويجعله يضطر لرفع سعر بيع الكتاب، وفي تلك الحالة سيكون سعر بيع الكتاب مرتفع على القارئ.
وأشار رئيس لجنة العلاقات العامة باتحاد الناشرين، إلى أنه رغم مرور فترة قليلة على بدء الحرب، والتي لم تصل إلى شهر ونصف حتى الآن إلا أن هناك زيادة متوقعة في سعر الكتب في مصر والتي ستصل إلى 20%، كما ستؤثر تلك الأحداث على أسعار القائمين على صناعة الكتاب فمن المؤكد أن مصمم الأغلفة والمنسق والمحرر والمراجع اللغوي الذين يقومون على إخراج الكتاب سيطلبون بزيادة في مستحقاتهم، وبالتالي فإن كل الأمور تأتي على كاهل الناشر نفسه.
الكتب في نهاية أولويات المستهلك
وتابع عبد النبى أنه من المتوقع أيضًا أن يقل عدد الكتب التي يتم استخراج أرقام إيداع خاصة بها في جمهورية مصر العربية، خاصة أن الناشر لن يستطيع المجازفة بنشر كتاب بتكلفة كبيرة إلا في حالة ضمان أن ذلك الكتاب سيبيع بصورة كبيرة تعوض ما تم دفعه.
ومن ضمن الأسباب التي تجعل صناعة النشر تتأثر بسهولة من الأحداث المحيطة أن الكتاب يأتي في نهاية أولويات المستهلك، حيث يأتي في المقدمة المأكل والمشرب والملبس والتعليم، وفي النهاية يأتي اهتمام المستهلك بشراء الكتب.
وأكد محمود عبد النبى أن نتائج الحرب الجارية لا يمكن قياسها بصورة نهائية في الوقت الحالي، ومن الممكن أن تظهر بصورة أكبر في غضون فترة ليست ببعيدة، فلن تتجاوز تلك الفترة الثلاثة أشهر حتى يظهر تأثيرات أكثر قوة، ولكن كبداية فقط، شهدت مدخلات صناعة النشر الزيادة المذكورة، وسنشاهد خلال الفترة القادمة مدى التأثير ومدى الضرر الذي سيتعرض له الناشر، خاصة بعد إلغاء عدد من معارض الخليج، لأن الناشرين يعتمدون بصورة كبيرة على المعارض الدولية، وحتى الآن تم إلغاء أربعة معارض كانوا يقدمون عوائد مادية كبيرة تجعل الناشر يستكمل دورة النشر الخاصة به.
ولفت محمود عبد النبى إلا أنه رغم من صعوبة أن يكون التجار قد استطاعوا نقل أو إدخال بعض من مدخلات النشر إلى مصر خلال الفترة الماضية إلا أن زيادة سعر الصرف سيؤثر على وصول الإمدادات وكميتها حتى وإن كانت طرق وصول تلك الإمدادات إلى مصر مفتوحة، فمصر تعتمد في استيرادها للأوراق من أكثر من بلد حيث تستورد من جنوب وشرق أسيا وكذلك إسبانيا والبرتغال.