(قصة قصيرة)
لم تكن الليالي وصوت الرياح، في الهزيع الأخير من الليل، إلا صدى للخوف الكامن في قلبها المتجمد، لم تصالحها الحياة يوما، ولم تقامر في تغيير ما هي عليه من مهانة، وتركت أعصابها عرضة لأقدام السائرين، تطأ عليها بلا شفقة ولا رحمة، كانت تسير دائمًا بخطواتٍ مترددة، عيناها شاخصتان إلى الأرض، ويداها مقيدتان بما لا يُرى. لم تكن تخاف الناس فقط…بل كانت تخاف الحياة نفسها.
وكلما مرت عليها أيام، يزداد الأمر سوء، كانت الأيام تصفعها بصمت، وظلت زمنا طويلا يديها مقيدة بسلاسل الخوف، وقدميها ترتجفان في كل خطواتها، صمتها المطبق، دائما هو عنوان الجرأة والتعدي من الأخرين، وسقوطها ضعيفة، ظل الخوف يسكنها سنوات طويلة، لم تحاول أن تدفعه ولو لمرة واحدة، عينيها تخشى الضوء والنور حين ينشر أشعته على كل شيء، يتقلص كبقعة صغيرة، تعشى العين عن رؤيتها، لعلها كانت تخشى أن تُفتح عينيها، فترى ضآلتها، كانت تخشى الحقيقة، فليس لها إلا الهروب الدائم منه، فالصباح ليل، والأيام يوم قديم يتكرر، تلهث وراء الظلام، كي لا تدرك أي بصيص من نور، وجهها ملتصق بتراب الأرض، أنفها لا يحتمل أي عطر غريب، فرائحة الخوف المنتشرة في عقلها، تحجب عنها كل عطر، إلا رائحة الهواء الموبوء، تسرع إليه كأنها أدمنته، كما يدمن بعض الناس الروائح الكريهة، في أحد الأيام، بينما كانت تحاول أن تخطو ذاهبة إلى السوق، اصطدمت برجلٍ غريب:
— "هل أنت بخير؟" سألها.
رفعت عيناها التائة لحظة، فقط لتغوص مرة أخرى في الظلام الذي يكسو قلبها.
— "نعم…" قالت بصوت خافت، يكاد يكون همسًا. وكأن سؤاله أيقظ شيئا كامنا.
واصلت السير، وعادت إلى صمتها الطويل. لم يكن صمت الحكمة، بل صمت الجمود…صمت الشخص الذي لم يعد يعرف كيف يشعر.
أصبحت تمثالًا يمشي بين الناس: صامتة، جامدة، بلا دمعة، بلا غضب، بلا فرح.
جلست أمام المرآة في تلك الليلة. دققت النظر فيها، لم تعد تعرف نفسها بعد الآن، ولم يعد هناك شيء لتخسره. شعرت بنفَسها تتلاشى كظل على صفحة المرآة، وسألت نفسها للمرة الأولى:
— "هل مازلت على قيد الحياة…أم أنني مجرد دمية؟"
حدثتها صورتها المنعكسة في المرآة قائلة:
لم يغضب قلبها لضربة أو امتعاض، عاشت القسوة تصفعها بلا هوادة، ولم يشفق لها أحد من الناس ولأنها لم تشفق على نفسها، فكيف يشفق عليها الأخرون، كأنها لا تُرى، لم تكن تفكر فيما بينها وبين نفسها فيما تتلقاه من البشر المحيطين بها، ألفت كل ما يصدر عنهم من قسوة في حقها، وسكنت لها روحها، فهي الآن أشبه بتمثال من رخام، بالجماد الذي فقد الحس، فلا ضربات توجعه، ولا كلمات ينفعل لها، ولا قيمة لقلب لم يعرف وجيب الحب والكراهية والغضب، لا ينفعل لشيء، ولا يرثي لأحد ولا حتى لنفسه، حين تُهان أو تتوالى عليها أحداث الزمن، فتنال منها.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، حزينة، لكنها ابتسامة…
ربما كان ذلك أول شعور حقيقي تشعر به منذ سنوات، أو ربما فاتحة عهد جدبد.