رحلت الدكتورة هالة مصطفى كما عاشت… في هدوءٍ لا يلفت الضجيج، لكنه يترك أثرًا عميقًا في العقول والوجدان. جاء خبر الوفاة مفاجئًا، كأنما اختارت أن تغادر العالم بنفس طريقتها: بصمتٍ رصين، يليق بشخصيةٍ كرّست حياتها للفكر والتحليل والبحث بعيدًا عن الأضواء الصاخبة، رغم ما شهدته مسيرتها من فصولٍ عاصفة وتحديات فكرية وسياسية.
كانت الدكتورة هالة مصطفى واحدة من أبرز خبراء العلوم السياسية في العالم العربي، تتلمذت على يد الدكتور علي الدين هلال الأكاديمي والسياسي المرموق.
و لمع اسمها كاتبة في مؤسسة الأهرام، ورئيسا لتحرير مجلة “الديمقراطية” التي شكلت منبرًا فكريًا مهمًا للنقاشات السياسية الجادة. لم تكن مجرد باحثة أكاديمية، بل كانت صوتًا عقلانيًا يسعى إلى فهم التحولات الكبرى في المنطقة، وتحليل العلاقة المعقدة بين الداخل العربي والعالم الخارجي.
عاشت الراحلة في صومعة هادئة داخل منزل والدها، حيث كانت تقيم أيضًا شقيقتها الدكتورة هويدا مصطفى. في تلك الفيلا الكائنة بشارع الهرم، والمجاورة لفيلا الفنان الكبير يحيى شاهين، صنعت عالمها الخاص. هناك، وعلى ضوء الشموع الخافت، ووسط أوراقها الملونة، كانت تمارس طقوس الكتابة التي لم تتغير عبر السنوات؛ عزلةٌ اختيارية، وتأملٌ عميق، وانحيازٌ كامل للفكرة قبل أي شيء.
لم تكن كتاباتها بعيدة عن نبض الأحداث، بل كانت سبّاقة في استشراف المستقبل. ففي مقالها “هل تلجأ أمريكا إلى الخيار العسكري؟” المنشور في 25 ديسمبر 2021، توقعت احتمالات اللجوء إلى الحل العسكري في إيران، في قراءة مبكرة تعكس عمق فهمها لطبيعة السياسة الدولية وتشابكاتها.
وتركت الدكتورة هالة مصطفى إرثًا فكريًا مهمًا، من أبرز مؤلفاته كتاب “الإسلام السياسي في مصر: من حركة الإصلاح إلى العنف”، الذي تناول تطور التيارات الإسلامية وتحولاتها. وكذلك كتاب “الإسلام والغرب: من التعايش إلى الصدام”، الذي ناقش فيه تداعيات أحداث 11 سبتمبر، وطرح تساؤلات جوهرية حول فرضية “صدام الحضارات” وعلاقة الإسلام بالعالم الغربي.
في هذا العمل، قدمت قراءة تاريخية معمقة للعلاقة بين العرب والغرب، بدءًا من الحملة الفرنسية، مرورًا بحركات التحديث والبعثات التعليمية، وصولًا إلى تشكل تيارات فكرية متباينة، من رواد النهضة مثل رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، إلى تيارات أخرى تأثرت بأفكار رشيد رضا وحسن البنا. كما ناقشت أثر التراكمات التاريخية والصراعات السياسية على تشكيل الصورة الذهنية المتبادلة، ودور السياسات الدولية، خاصة الأمريكية، في تعقيد هذه العلاقة.
لم يكن طرحها مجرد سرد تاريخي، بل تحليل نقدي يربط الماضي بالحاضر، ويضع الأسئلة الصعبة حول المستقبل: هل الصراع حتمي؟ أم أن هناك مساحة للتعايش؟ وكيف يمكن للعالم العربي أن ينهض في ظل هذه التحديات؟
كانت هالة مصطفى من أوائل من عارضوا توجهات حقبة بوش الابن نحو تغيير الشرق الأوسط بالقوة، ورأت في لقائها مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس أن العالم العربي ليس أوروبا الشرقية، و أن الإصلاح يبدأ من الداخل دون تدخل خارجي.
برحيلها، يفقد المشهد الفكري العربي عقلًا متزنًا، وصوتًا تحليليًا عميقًا، لم ينجر وراء الشعارات، بل ظل متمسكًا بمنهج البحث والفهم. وربما يكون أكثر ما يميز مسيرتها هو هذا التوازن بين الصرامة الأكاديمية والهدوء الإنساني.
غابت هالة مصطفى، لكن أفكارها باقية… في كتبها، ومقالاتها، وفي كل عقلٍ تأثر بها. رحلت بهدوء، لكنها تركت أثرًا لا يمكن أن يمر في صمت.