حازم حسين

ساعة واحدة وعقارب تلدغ بعضها

الأربعاء، 01 أبريل 2026 02:00 م


حققت الحرب نصف أهدافها، يقول نتنياهو، ثم يردف بأنه يقصد المهام لا الزمن.

والمؤكد أنه يحسبها على مقياس إسرائيل؛ أما الولايات المتحدة فتُخبئ الحسابات وراء ظهر ترامب.

إيران تطفو، ولم تغرق بعد، ولديها معيار لا أحد يعرفه سواها لرفع الكُلفة على الجميع؛ غير أن أوضح ما فيه، أنها تردّ على الغزاة البعيدين، فى جوارها القريب.

لم تنقطع الهجمات على الخليج. هدأت الوتيرة نسبيًّا، والتقديرات الاستخبارية الغربية، تردّ المسألة إلى تصدّع القيادة، وانقطاع الاتصال والتنسيق.

وإذ تتصل جهود الوسطاء؛ فالغالب أنهم واقعون فى القلب من مشهد أقرب إلى «حوار الطرشان»: شروط أمريكية مرفوضة، وبدائل إيرانية أبعد كثيرًا، ولغة مُفتقدة للتوفيق أو المقاصة بين الصيغتين.

أقرب الآجال حضرت على لسان ماركو روبيو؛ إنما الوزير نفسه بعيد من غرفة العمليات.

وعلى ساعة يده؛ فالمواجهة بصدد الانتهاء فى أسابيع لا شهور. ورئيسه قال إنهم قصفوا ثلاثة عشر ألف هدف فى شهر، وتتبقى ثلاثة آلاف، أى أسبوع واحد.

والصهاينة يرفعونها إلى أربعة، بحسبة النصف البنيامينية، أو إلى دمارٍ يُعادل ما حققوه منذ آخر فبراير.

وذلك؛ فيما لا تتوقف الاستعدادات لتطوير العملية، أكان بالإنزال على «خرج» وجُزر المضيق، أم بالإبرار لاحتلال الساحل والموانى.

حملت القذيفة الأولى توقيعا بإسقاط النظام، تقلّص لاحقا إلى النووى والباليستى وتقليم محور المُمانعة، وأخيرًا يجرى الحديث عن السيطرة على النفط.

تُعدَّل الصياغات؛ ويظل المضمون. أى انتزاع إقرار بالهزيمة، أو اتفاق بصيغة الاستسلام.

وفى المقابل، يسعى جنرالات الحرس لإعلان الانتصار بالبقاء، وإيلام العدوّ بإجباره على العودة بسلّة فارغة.

أزمة طهران بنيوية عميقة، وأصعب ما فيها أن المطلوب يفوق ما تقدر عليه، أو ترتضيه لنفسها.

كما يتصادم مع طبيعة النظام، وتركيبته العقائدية، ومشروع الثورة الإسلامية المنصوص عليه فى دستورها.

قُتِل خامنئى الأب؛ لأنه كان مُتشدّدًا، ولم يُتَوقَّع منه النزول عن الشجرة أو التنازل عن صلابته.

والابن سرّ أبيه، فضلاً على غيابه؛ فلا يُعرَف ما إذا كان حيًّا، ومستقل القرار أم تحت وصاية الجنرالات!

بالمنطق البسيط؛ فإنه الأفضل بين كل البدائل التى طُرِحَت. يحمل سيرة سلفه بالاعتقاد والنسب، تصعُب المُزايدة عليه، ولن تُرَدّ له كلمة.

تركيبة مثالية؛ أن يكون الولى الفقيه هو ولىّ الدم أيضًا؛ فيثأر أو يعفو، ويُقدّم العام على الخاص. هذا حال كانت له الخيرة من أمره أصلاً.

تُعانى الولايات المُتّحدة كغيرها؛ ولو أنكرت. صحيح أنها مُنتج صافٍ للنفط، غير أن انفلات الأسعار ينعكس على الداخل، ما يُحيّد وفرة الإنتاج والمخزون، ويُعرّضها لتداعيات إغلاق «هرمز».

لدى كل طرف طموح فى النجاة وإغراق الآخر، والظرف لم يعد يسمح حتى بمُعادلة «رابح/ رابح»؛ إنما عليهما أن يتقبّلا الخسارة معًا.

تضرّرت إيران بعُمق، وفقدت قادة وموارد، وستُعانى لسنواتٍ حتى تُرمِّم ما شقّقته القذائف داخليا، وفى علاقاتها الخارجية.

هذا إن لم يتداعَ النظام، وينقَضّ من تلقاء نفسه، أو تحت ثِقَل غضبة شعبية تأجّلت اضطرارا.

إسرائيل ربحت فى التكتيك، وتخسر الاستراتيجية كما جرى فى غزة. بيئتها مأزومة، ومكانتها فى الحضيض.

المنطقة على أطراف أصابعها، مع صخب أجراس الإنذار فى عواصمها، واتّضاح حاجتها لليقظة، وبناء تحالفات على قدر اللحظة، أو الاستماتة لحفظ التوازنات القائمة.

أمّا الإدارة الجمهورية؛ فقد تردّت بالبلاد سياسيا وقيميًّا، فضلا على تعقُّد موقفها مع المُجتمع، وقاعدة «ماجا» قبل الخصوم الحزبيين ومن التيار الليبرالى.

سقطت وعود ترامب بملامحها الانعزالية، وشعار «أمريكا أولا».

لقد تعهّدت بالخروج من الصراعات؛ لا أن تخترع غيرها، وتنخرط فيها بخفّة مُتناهية، وتكاليف باهظة.

الإصرار على الانسداد الراهن يُراكم مزيدًا من الأعباء على إيران، ويُعمّق محنتها على المستويات كافة؛ لكنه يضرّ الحلفاء والأصدقاء أيضًا.

كما يعتصر الاقتصاد العالمى، ويُضاعف التكاليف المادية والمعنوية على محور «واشنطن/ تل أبيب»، الآن ومستقبلا.

ما الحل؟ لن يتراجع العقائديون إلّا ليتقدّموا عندما تحين سانحة، ولا سبيل لإزاحتهم الآن أو إزهاق أرواحهم.

استكمال الطريق يُوسّع الحريق، والتوقف أو التراجع وصفة لصدامٍ تالٍ، وفى أمدٍ غير بعيد.

يجب ألا يُدفَع الإيرانيون للجدار، وبما لا يترك لهم خيارًا سوى الجنون.

ويتعيّن التحصّل على ضمانات منهم، ومن المُعتدين عليهم، بعدم التكرار، فيما بينهم أوّلا، ولكل المتضررين أيضًا.

أى أن تكون التسوية جماعية، ولا يُستبعَد المَعنيّون من الطاولة، وأن يكون الخليج والقوى الإقليمية طرفًا فى الاتفاق، وبمنطق جَبر الضرر، لا قسمة الأعباء.

طلبت طهران التعويض من واشنطن؛ وبالمنطق نفسه فعليها أن تُعوّض ضحاياها. يُرَدّ النظام عن غيّه، ولا يُطاح بالقوة، وتُترَك مسألةُ بقائه لتفاعلات جبهته الشعبية.

دعا البيت الأبيض إيران للإقرار بالهزيمة، وينبغى أن يُقرّ كذلك بعدم النصر.

يتقاتلان على لحم المنطقة وثراها. وسائل شتّى لغاية واحدة، ومواقيت مُتضاربة؛ لأن عقارب ساعاتهم المُتشابهة تلدغ بعضها.

كلاهما مُخطئ، وتسييد السردية السليمة ليس رومانسية زائدة عن الحاجة، ولو بدا قليل التأثير راهنا؛ إنما ضرورة أخلاقية وقتية ومُمتدّة.

إنها الفارق بين السياسة والنار، الرُشد والجنون. وفيها إقامة الحجة على نهجين مُتضادين شكلاً، مُتطابقين موضوعا، وسيسقطان بقوّة الحقائق عاجلا أم آجلا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة