حِداد.. قصة قصيرة لـ شيماء بن عمر

الأربعاء، 01 أبريل 2026 03:15 م
حِداد.. قصة قصيرة لـ شيماء بن عمر الكاتبة شيماء بن عمر

ألقىَ بقرصٍ فوّار في كأسٍ مملوءة بالماء.. أغمض جفنيه وهو يستمعُ لصوت ذوبانهِ.. قرصٌ أبيضٌ صغير يذوب ببطء كفكرة تتلاشى في العدم...

ألقى بكل وزنه على الأريكة الأرجوانية البالية وهو يسترجعُ أحداث يومه ويقاومُ في صمتٍ بداية صداعٍ يعلمُ أنه لن ينتهي إلا صباح اليوم التالي...مثل كلّ مرّة..

ها هو يقرع جرسَ شقة فاخرة في إحدى البنايات الموجودة في أكثر مناطق العاصمة اكتظاظاً وعشوائية...شقة مستأجرة كإحدى مكاتب التوظيف العديدة..استقبلته موظفة الاستقبال بابتسامة ميكانيكية وقادته نحو قاعة استقبالٍ واسعة مطليّة بدهانٍ كريمّي خجول، ذات نافذة فرنسية زجاجيّة أنيقة، بعض الكراسي المغلفة بنوع من الجلد الاصطناعي الداكن، ومدفئة رخاميّة في إحدى الأركان تبدو مخصصة فقط للزينة.

نظر حولهُ في تأنٍّ وتنقل بين الوجوه ولغرابة الأمر كان الجميع ُ يشبهونه...أو ربما هو من يشبههم...أو... قطعَ حبل أفكاره صراخٌ وسُبابٌ غاية في القذارة صادر من الشارع الرئيسي بالخارج ليخلق تناقضا مربكا مع هدوء ونظافة المكان بالداخل...

كانت الساعات طويلة وثقيلة عندما رددت موظفة الاستقبال اسمه أخيرًا معلنة دوره... دلف إلى غرفة المقابلة أين قِيل له أنّ الطريق نحو بناءِ فرصة عملٍ مغرية بالخارج أبسط مما كان يتخيل؛ بضعة أوراقٍ رسمية، توقيعُ من مصلحةٍ حكومية وصورة شمسية لا تشبهه كثيرًا... ثم جاء الرقم!!!
مائة وأربعة وسبعون يورو...

ظلّ الرقم معلقًا في رأسه منذ ذلك الحين... رقم صغيرعلى نحوٍ مُهين تقريبًا... ثمن حذاءٍ جيد، أو هاتفٍ مستعمل… أو ربما، كما اكتشف لاحقًا، ثمن اقتلاع إنسان من أرضه!
أخرج المال من محفظته بهدوء، كانت الأوراق النقدية دافئة كأنها تعرف أنها ستغادرمعه لمكان بعيدٍ جدا عن كل ماهو مألوف.. مكان لا يوجد فيه سواهما وأحدهما فقط قادر على الصمود في كل مرّة! عدّتها الموظفة بسرعةٍ وآلية باردة... ثم ختمت الورقة. صوت الختم كان حاسمًا، يشبه إغلاق بابٍ بعيد...
في تلك اللحظة لم يشعر بشىء لا حزن، لا فرح.. فقط قليل من دهشة غامضة.
هل حقا الأمر بهذه البساطة؟ أن تضع مالًا فوق طاولة… فيُصبح وطنك خلفك؟
عاد إلى الكأس بين يديه...الفقاعة الأخيرة من القرص صعدت إلى السطح وانفجرت بصمت، ابتسم ابتسامة قصيرة، مريرة...
مائة وأربعة وسبعون يورو...
كم هو رخيصٌ الوطن عندما يتحوّل إلى ورقة طلب وكم هو باهظ عندما تحاول أن تستعيده.
رفع الكأس قليلًا، كأنه يختبر وزن السؤال في الماء، ثم همس لنفسه قبل أن يتجرّعه كله مرة واحدة:
"هل كنت أشتري مستقبلًا… أم كنت أبيع حياتي القديمة بثمنٍ مخفَّض؟"




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة