لم تكن الصيدلية يومًا مجرد محل لبيع الدواء، بل كانت تمثل خط الدفاع الأول في المنظومة الصحية، ومكانًا يلجأ إليه المواطن طلبًا للنصيحة قبل العلاج. كان الصيدلي، بما يمتلكه من علم وخبرة، يؤدي دورًا إنسانيًا ومهنيًا يتجاوز فكرة البيع والشراء، لكن مع مرور الوقت، تغيّر المشهد بشكل لافت، وتحولت كثير من الصيدليات من مؤسسات صحية إلى كيانات تجارية تتنافس على تحقيق أعلى مبيعات.
اليوم، لم يعد غريبًا أن تجد لافتات العروض والخصومات تملأ واجهات الصيدليات، أو تسمع عن “أوفر” على الأدوية والمكملات، وكأننا أمام متجر تجزئة لا مرفق صحي، هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية، وزيادة أعداد الصيدليات بشكل غير مدروس، إلى جانب دخول سلاسل كبيرة فرضت قواعد جديدة للسوق تعتمد على المنافسة السعرية والتسويق المكثف.
لكن السؤال الأهم: من يدفع الثمن؟
في كثير من الأحيان، يكون المواطن هو الضحية الأولى. فالترويج المكثف للمكملات الغذائية، على سبيل المثال، يدفع البعض لاستخدامها دون حاجة حقيقية، فقط لأنها “معروضة” أو “عليها خصم”. كذلك، قد تؤدي المنافسة إلى تفضيل بيع منتجات معينة ذات هامش ربح أعلى، بدلًا من التركيز على ما يحتاجه المريض فعليًا.
الأخطر من ذلك هو تآكل الدور الإرشادي للصيدلي. فمع ضغط البيع وتحقيق التارجت، قد تتحول النصيحة الصحية إلى توصية تجارية، وهو ما يفتح الباب أمام الاستخدام غير الرشيد للأدوية، خاصة في غياب رقابة كافية على صرف بعض المستحضرات بدون وصفة طبية.
ولا يمكن إغفال أن الصيدلي نفسه أصبح ضحية في هذه المعادلة. بين التزامه المهني ورغبته في الحفاظ على مصدر رزقه، يجد نفسه في صراع يومي قد يجبره أحيانًا على تقديم تنازلات لا تتوافق مع ضميره العلمي.
إن استمرار هذا الوضع يهدد بتحويل الصيدلية من ركن أساسي في الرعاية الصحية إلى مجرد نقطة بيع، وهو ما ينعكس سلبًا على صحة المجتمع ككل. فالصحة لا يجب أن تخضع لمنطق العروض والخصومات، بل لمنطق العلم والمسؤولية.
الحل لا يكمن في رفض التطور أو آليات السوق، بل في إعادة التوازن. نحتاج إلى رقابة أكثر فاعلية، وتوعية للمواطن، ودعم حقيقي للصيدلي ليعود إلى دوره الطبيعي كمقدم خدمة صحية، لا مجرد بائع.
في النهاية، تبقى الصيدلية مرآة للمنظومة الصحية فإذا اختل دورها، اختل معها جزء مهم من حماية المواطن.