تعيش منطقتنا اليوم مرحلة شديدة الاضطراب؛ صراعات مفتوحة، وتحولات متسارعة، ومخاطر لا تخفى على أحد.
وفي مثل هذه الظروف لا يكفي أن ننظر إلى الواقع بقلق أو انفعال، بل يجب أن نتعامل معه بوعي ومسؤولية، مستحضرين القاعدة التي قررها الإسلام منذ البداية: الأخذ بالأسباب كلها؛ المعنوية منها والحسية.
أما الأسباب المعنوية فهي الأساس الذي تقوم عليه قوة الأمم قبل سلاحها وعددها؛ أن يلجأ الناس إلى الله تعالى بصدق، وأن يصلحوا ما بينهم وبين ربهم، وأن يكثروا من الاستغفار والتوبة، وأن يبتعدوا عن المعاصي والظلم؛ فالأمم لا تُحفظ بقوتها المادية وحدها، وإنما تُحفظ أولًا بصلتها بالله، وبالقيم التي تضبط حياتها.
وقد علمنا القرآن الكريم أن النصر والتوفيق بيد الله، وأنه سبحانه يؤيد من أخذ بالأسباب وسعى في طريق الإصلاح.
لكن الدين نفسه لم يجعل التوكل مجرد كلمات، بل قرنه بالعمل والإعداد، ومن هنا تأتي الأسباب الحسية التي لا غنى عنها في حماية الأوطان واستقرارها؛ جيش قوي، وسلاح متطور، ومؤسسات قادرة، ورجال يدركون مسؤولياتهم ويقومون بواجباتهم في حماية البلاد وصون أمنها.
وفي منطقتنا المضطربة يبقى الجيش المصري واحدًا من أهم ركائز الاستقرار؛ فوجود جيش قوي منظم هو صمام أمان ليس لمصر وحدها، بل لكثير من توازنات المنطقة.
ولهذا فإن الحفاظ على قوة الجيش وثقة الشعب فيه ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية واستراتيجية لا يمكن الاستهانة بها.
ومن هنا فإن الحفاظ على الدولة المصرية بكل مؤسساتها هو في الحقيقة حفاظ على استقرار المجتمع كله؛ فالأوطان لا تقوم على مؤسسة واحدة، بل على منظومة متكاملة من مؤسسات تعمل معًا لضمان الأمن والاستقرار والخدمات والحياة الطبيعية للناس.
غير أن المؤسف في أوقات الأزمات أنْ تظهر بعض الأصوات التي لا ترى من الواقع إلا العثرات والهفوات، فإذا وقع خطأ بسيط أو تقصير محدود، جرى تضخيمه وتهويله ونشره وكأنه كارثة كبرى.
والسؤال هنا واضح وصريح: ما الغاية من هذا التهويل المستمر؟
النقد الموضوعي مطلوب، بل هو ضرورة لأي مجتمع يريد الإصلاح، لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول الذي يقصد الإصلاح، وبين التشكيك الدائم الذي يهدف إلى إضعاف الثقة في مؤسسات الدولة وبث الإحباط بين الناس.
ففي أوقات التحديات الكبرى، تصبح الثقة المجتمعية عنصرًا أساسيًا من عناصر القوة الوطنية.
ومن الظواهر التي برزت في السنوات الأخيرة بوضوح، ظهور بعض الأصوات الإعلامية التي اختارت أن تتحدث عن مصر من خارجها.
هؤلاء يقيمون في دول أخرى، ويطلون علينا عبر منصات التواصل الاجتماعي أو عبر قنوات إعلامية تبث من الخارج، ويقدّمون أنفسهم بوصفهم صوت الحقيقة أو صوت المعارضة.
والحقيقة أن المشكلة ليست في المعارضة ذاتها؛ فالمعارضة جزء طبيعي من أي مجتمع حي، والنقد الموضوعي الذي يقصد الإصلاح هو أمر مطلوب ولا غنى عنه، لكن ما نراه في كثير من الأحيان ليس معارضة مسؤولة، بل إعلام هدم يقوم أساسًا على تضخيم الأخطاء، وإشاعة الإحباط، وبث الشك في كل مؤسسة من مؤسسات الدولة.
هذا النمط من الخطاب لا يبحث عن حلول، ولا يقدّم رؤى للإصلاح، وإنما يعيش على صناعة الأزمات وتوسيعها.
فإذا وقع تقصير في أمر ما، جرى تصويره وكأنه انهيار كامل، وإذا حدث خطأ محدود، تحوّل في الخطاب الإعلامي إلى دليل على فشل شامل.
والسؤال المنطقي الذي يطرحه كل صاحب عقل: هل الهدف هو إصلاح الأوضاع، أم إضعاف الثقة في الدولة والمجتمع؟
إن النقد الذي يخرج من قلب الوطن، ويستهدف الإصلاح، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، يظل نقدًا مشروعًا بل ومطلوبًا.
أما الخطاب الذي يُبنى على التشويه المستمر، وتغذية الإحباط، والعمل على تفكيك الثقة بين الشعب ومؤسساته، فهو خطاب لا يمكن وصفه بالإعلام المعارض بقدر ما هو إعلام هدم.
إن التجارب التاريخية تعلمنا أن أخطر ما يواجه الدول في أوقات الأزمات ليس التحديات الخارجية وحدها، بل الانقسام الداخلي وفقدان الثقة، فإذا انقسم المجتمع على نفسه، ضعفت قدرته على مواجهة الأخطار مهما امتلك من إمكانات.
ولهذا فإن المرحلة التي تمر بها المنطقة اليوم تحتاج إلى قدر كبير من الوعي الوطني؛ وعي يدرك أن الاختلافات السياسية أو الفكرية لا ينبغي أن تتحول إلى صراعات تهدد استقرار الوطن، فهناك لحظات في تاريخ الأمم يصبح فيها الحفاظ على الدولة ووحدة المجتمع أولوية تتقدم على كل الخلافات الأخرى.
إن مصر عبر تاريخها الطويل لم تحفظها الجغرافيا وحدها، ولا القوة العسكرية وحدها، بل حفظها قبل ذلك تماسك شعبها ووعي أبنائها في اللحظات الصعبة.
وعندما تتكامل قوة الإيمان، وقوة الدولة، وقوة وعي المجتمع، تصبح الأمة أقدر على تجاوز العواصف مهما اشتدت.
ولهذا فإن الواجب اليوم واضح: أن نصلح ما بيننا وبين الله، وأن نأخذ بالأسباب، وأن نحافظ على مؤسسات الدولة، وأن ندرك أن قوة الوطن ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية مشتركة يتحملها الجميع.
فالأوطان لا تُحفظ بالصراخ ولا بإشعال الخلافات، وإنما تُحفظ بالوعي، والعمل، والاصطفاف خلف ما يحمي استقرارها ومستقبلها.
وفي زمن العواصف، يكون العقل الهادئ والصف الموحد أعظم ما تملكه الأمم.
فاللهم احفظ مصر وشعبها وجيشها وأمنها بحفظك، واكلأها برعايتك، وادفع عنها الفتن والشرور، وأدم عليها نعمة الأمن والاستقرار، واجعلها دائمًا حصنًا للأمن وموطنًا للطمأنينة.