نتابع سلسلة مقدمات الكتب.. ونتوقف اليوم مع كتاب "حرب الشفق: خفايا ثلاثين عاما من الصراع الأميركي - الإيراني" للمؤلف ديفيد كريست، بترجمة رجاء شلبي، وهو كتاب سياسي صدر في ترجمته العربية عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر سنة 2016.
يقرأ الكتاب الصراع الأميركي الإيراني بوصفه "حربا خفية" امتدت على مدار ثلاثة عقود، منذ الثورة الإيرانية عام 1979، متتبعا وجوه هذا الصراع العسكرية والاستخباراتية والسياسية، وما اتصل به من مواجهات غير مباشرة، ومفاوضات سرية، وأزمات كبرى مثل تفجير مقر المارينز في بيروت، والملف النووي الإيراني، ودور طهران في الإقليم. وتوضح النبذة العربية للكتاب أن مؤلفه اعتمد على نحو عشرين عاما من البحث، إلى جانب مئات الوثائق السرية وشهادات مشاركين عايشوا هذه المواجهة الطويلة، وهو ما يجعل الكتاب من الأعمال المهمة لفهم الخلفيات العميقة للعلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران.
وجاء في تمهيد الكتاب:
"يتدفق يوميا خُمس صادرات النفط العالمي عبر مضيق هرمز، الذي يربط، بعرض ثلاثين ميلا، الخليج العربي بالعالم الخارجي، ويقوم سلاح البحرية الأميركية منذ عام 1949 بدوريات في هذا الممر المائي، مستعرضا القوة الأميركية وضامنا التدفق المستمر لشريان حياة الاقتصاد العالمي. ثمة مناطق قليلة بذلت فيها الولايات المتحدة دمها ومالها بغية الحفاظ على مصالحها أكثر مما بذلته في هذه المنطقة من العالم. ففي السنوات الخمس والعشرين الماضية خاضت الولايات المتحدة ثلاث حروب في المنطقة، منها اثنتان في العراق، وثالثة، هي موضوع هذا الكتاب، لا تزال قائمة على شكل صراع مستمر مع إيران.
حرب الشفق
قد لا يكون هذا الجسم المائي الحيوي، استراتيجيا، مكانا جذابا أحيانا، فعندما تعصف الرياح المحملة بالغبار والرمال يتشكل ضباب يعشى البصر، يختلط فيه الأفق والمياه الموحلة في نسيج بني أغبش. وإذا أضفت إلى ذلك ظهور مجموعات متشابكة من ثعابين البحر السامة، وارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 50 درجة مئوية، ونسبة الرطوبة العالية أيضا، ستجد أماكن قليلة جدا يخدم فيها الجنود الأميركيون والأميركيات بمثل قسوة الخليج العربي.
كان صباح الرابع من شهر نيسان/ أبريل 2003 أفضل من أيام كثيرة سبقته أو تلته، فالنسيم البحري المنشط وشروق الشمس الرائع بشرا خيرا بمهمة اليوم. كان قد مضى أسبوعان على الغزو الأميركي للعراق. وكرائد في مشاة البحرية الأميركية، كنت قبالة مدخل شط العرب، وهو نهر واسع شكله التقاء نهري دجلة والفرات، ويعين الحدود الفاصلة بين إيران والعراق. كنت على متن قطمران ضخم، وهو من أغرب السفن في سجلات الأسطول البحري. وقد بني القطمران ليكون عبّارة سريعة، لا يزال جوفها الكهفي العميق يحتوي "بارا" ومقاعد للركاب بغية الاسترخاء والاستمتاع بمشروبات "الكوكتيل". استبدل البحارة الخمر بصناديق مياه معبأة وعصير، وشغل مركز قيادة متطور نصف الصالة تقريبا، حيث أزيلت الكراسي والطاولات لوضع قواعد أجهزة الكمبيوتر وشاشة كبيرة تظهر الرموز العسكرية الزرق والحمر والخضر التي تشير إلى مواقع جميع السفن والطائرات الأميركية والعراقية والإيرانية الموجودة في المنطقة في اللحظة الراهنة. وكنت من بين قلة من مشاة البحرية الذين ألحقوا بفرقة النخبة التابعة لقوات العمليات الخاصة في البحرية (SEALS). كنت جندي احتياط عندما تم استدعائي إلى الخدمة الفعلية من قبل قيادة قوات العمليات الخاصة لأتخذ موقعي مع هذه المجموعة تحت إمرة نقيب نشيط يدعى روبرت هاروارد. وكنت قد خدمت تحت إمرته قبل ذلك بسنة، عندما دخلت قوات العمليات الخاصة أفغانستان بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وطاردت عناصر طالبان والقاعدة المختبئين في كهوف ومزارع في الأجزاء الجنوبية الشرقية الوعرة من تلك الأرض القاسية. كانت مهمتنا هذه المرة إنزال أربعة زوارق صغيرة مدججة بالسلاح لتمخر شط العرب صعودا وتصل إلى البصرة، ثاني أكبر مدينة عراقية ومن أهم موانئ البلاد. كان الهدف من العملية ضمان حرية الملاحة للأميركيين والبحث عن زوارق انتحارية محتملة تخشى البحرية الأميركية أن تنبثق فجأة من الخلجان الصغيرة وتتكرر كارثة المدمرة الأميركية كول التي حدثت قبل بضعة أعوام.
لم تكن هذه حربي الأولى في الشرق الأوسط. فقد أمضيت ثمانية أشهر أحترق بأشعة شمس الصحراء إبان الحرب الأولى ضد صدام حسين عام 1991. وقد ألحقت آنذاك بكتيبة استطلاع مدرعة من مشاة البحرية تحت إمرة كيث هولكومب، الذي أصبح فيما بعد جنرالا، والذي سبق له أن عمل رقيبا في الأمم المتحدة في جنوب لبنان. كان هولكومب يعرف اللغة العربية، وقد فتنني بقصصه عما أسماه حرب العصابات التي تشنها مجموعة شيعية تدعى حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي الحديث. أثارت تلك التجربة برمتها اهتمامي بالشرق الأوسط. وبعد الحرب، عدت إلى الجامعة لنيل الدكتوراه في تاريخ الشرق الأوسط الحديث خلال السنوات العشر الهادئة التي فصلت بين الصراعين الكبيرين اللذين عاشهما العراق. كنت على دراية أكثر من العديد من معاصري من العسكريين بالعلاقات المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران. خلال ثمانينيات القرن العشرين، تولى والدي، وكان جنرالا بأربع نجوم في مشاة البحرية واسمه جورج كريست، قيادة القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم CENTCOM"، المسؤولة عن جميع القوات الأميركية في الشرق الأوسط. في ذلك الوقت كان الاتحاد السوفيتي يسيطر على تفكير واشنطن، وكانت أوروبا، لا الشرق الأوسط، المسرح الأكثر أهمية بالنسبة لجيشنا. بيد أن والدي والقيادة المركزية الأميركية كانا منهمكين، في أثناء ذلك، في نزاع غريب مع إيران، أفضل وصف له هو حرب عصابات في البحر، حيث كان الحرس الثوري الإيراني الشرس يقوم بزرع الألغام سرا بواسطة زوارق الدهو الشراعية، وبشن هجمات كر وفر ضد القوافل الأميركية بواسطة أسطول من السفن المدفعية الصغيرة. فانخرطت الولايات المتحدة وإيران في شبه هذه الحرب التي دامت عامين تقريبا، وبلغت ذروتها في أكبر معركة بحرية في تاريخ الأسطول البحري الأميركي منذ الحرب العالمية الثانية، فيما كان البنتاغون قلقا حيال ردع جحافل الدبابات السوفيتية في سهول أوروبا الوسطى أكثر من قلقه حيال مواجهته إيران. غير أن الفرس أثبتوا، على مدى السنوات الثلاثين الماضية، أنهم، وليس الروس، الخطر الأكثر ديمومة الذي يتهدد الولايات المتحدة.
عندما كنت أبحث عن موضوع للأطروحة، اكتشفت هذه الحرب السرية مع إيران التي ظلت مجهولة إلى حد كبير. قضيت السنوات الخمس التالية في البحث وكتابة قصة هذه الحرب الأولى مع إيران، وكيفية اندراجها في السياق الأوسع لسياسة الرئيس رونالد ريغان في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، لم تكن إيران في ذهني عندما بزغ الفجر فوق مياه الخليج الزرقاء صباح يوم الرابع من نيسان/ أبريل من العام 2003. كنت أشاهد، من داخل مركز قيادة القطمران الذي حول إلى سفينة حربية، زوارقنا الحربية الأربعة وهي تبحر شمالا ببطء، متوغلة في شط العرب، وتشق بحذر طريقها عند الحد الفاصل بين إيران والعراق. كان هاروارد قلقا من أن يستفز ذلك إيران، وحاول جاهدا تجنب المواجهة، فأرسل عنصرا من قوات العمليات الخاصة (SEAL) يجيد الفارسية مع قارب القيادة، وأعطى أمرا للأسطول الصغير بالإبحار والتعمق في المياه الإقليمية العراقية، حتى إنه جنح مرات عدة. ونصبنا أيضا العلم الإيراني بصورة مؤقتة على أحد الزوارق، حيث اعتبر هاروارد أن ذلك سيبدي نوايانا الحسنة. كان رد فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني بأن أرسل نحونا أربعة قوارب صغيرة اقتربت بسرعة قصوى، كان أكبرها قارب بوغهامر مستطيل ضيق سويدي الصنع مجهزا بمدفع رشاش مزدوج الفوهة في مقدمته. إنه القارب نفسه الذي كان لعنة بحرية الولايات المتحدة زمن خدمة والدي فيها منذ خمسة عشر عاما. انطلقت القوارب بسرعة فائقة، جارة خلفها ذيولا من الزبد الأبيض إلى الجانب العراقي من القناة المائية، وأحاطت بنا، ووجهت مباشرة نحو مقدمة قاربنا قاذفة صواريخ متعددة الفوهات. بدا أن تبادلا لإطلاق النار مع جارة العراق الفارسية القوية قد أصبح وشيكا، وبدا لي فجأة أن بحثي حول إيران لم يعد مجرد عمل أكاديمي.
لم أعلم إلا في وقت لاحق، أثناء إعداد موضوع هذا الكتاب، أن القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط أو الموظفين المدنيين في وزارة الدفاع الأميركية لم يتجشموا عناء التفكير في إيران أثناء التخطيط لإطاحة صدام حسين. لم يكن من المفترض أن نتفاجأ بالحادث مع الإيرانيين قبالة السواحل العراقية، ولم تكن هي الحادثة الوحيدة التي جرى إغفالها في واحدة من أسوأ الحملات العسكرية تخطيطا التي نفذها الجيش الأميركي. مع انسحاب آخر جندي أميركي في أيلول/ سبتمبر 2011، كان نحو خمسمئة أميركي قد لقوا حتفهم على أيدي المليشيات المدعومة من إيران، وكانت الحكومة العراقية المنتخبة ديمقراطيا، التي تشكلت على حساب الكثير من الدماء والأموال الأميركية، قد تم الترويج لها من طهران.
لساعات الشفق أو الغسق أهميتها الخاصة في الحرب. فعيوننا لا تتكيف بسرعة مع تغير الضوء، ودورات الجسم الطبيعية تجعل الجنود في حالة متدنية من التأهب. وقد خبرت ذلك بنفسي كطالب ضابط في مشاة البحرية. فمع اقتراب الغسق، وبعد يوم من المشي الطويل المجهد في أحراج كوانتيكو بولاية فيرجينيا، وفيما كنت أكافح منهكا طوال الساعة الأخيرة من أجل حفر حفرة قتال عبر متاهة من جذور الأشجار بمجرفة صغيرة قابلة للثني وغير مناسبة للقيام بهذه المهمة إلى درجة الإحباط، صرخ فجأة النقيب: "تأهب!" ومع إلقاء شمس الغروب بظلالها على الغابة، نزلت في حفرتي التي لم تنته بعد، وأشهرت بندقيتي خارج الحفرة بين الأغصان والأشجار. قال المدرب، كجزء من درس معاد ومكرر في التكتيك الحربي: "أنت دوما أكثر عرضة لهجوم العدو خلال فترات الشفق والغسق البحريين"، وتابع قائلا بأسلوب من يسرد وقائع علمية بحتة: "الغسق والفجر فترتان انتقاليتان". عندما التحقت بالمدرسة الأساسية (Basic School) الإلزامية، عام 1987، حيث تستمر الدروس مدة ستة أشهر بالنسبة إلى الوافدين الجدد برتبة ملازم ثان من مشاة البحرية، كان الكثير من الضباط والمجندين المتطوعين قد شاركوا في حرب فيتنام. لقد انحفرت دروس ذاك الصراع في الذاكرة الجمعية للقوات المسلحة، فكثيرا ما كان مسلحو الفيتكونغ يهاجمون في ساعات الشفق. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا الحالية تسمح للجيوش الحديثة بشن هجوم في الليالي غير المقمرة أو عندما تكون شمس الظهيرة في سمتها، إلا أن الفكرة تبقى تكتيكا عسكريا صالحا. ففي تموز/ يوليو 2008 وقعت واحدة من أسوأ الهجمات التي تعرض لها الجيش الأميركي عند بزوغ أول شعاع شمس في سماء شرق أفغانستان، وذلك عندما هاجم مقاتلو طالبان موقعا نائيا فقتلوا وجرحوا ستة وثلاثين جنديا. علقت بذهني هذه الحادثة، مع أننا لم نتعرض لأي هجوم خلال فترة تدريبنا في كوانتيكو.
الشفق أو الغسق استعارة دقيقة للحالة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران. فمع انعدام العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والاكتفاء في بعض الأحيان باجتماعات عرضية في زوايا حانات الفنادق المظلمة وعبر وسطاء غامضين، فإن كلا الطرفين يفتقر إلى وجهة نظر دقيقة عن الطرف الآخر. فالولايات المتحدة تعوزها المعرفة الواضحة بالقادة الإيرانيين وببنية الحكومة الإيرانية المعقدة، في حين تزداد إيران عزلة وجهلا بالولايات المتحدة. هذه المنطقة الرمادية خطيرة، والتهديد الناجم عن سوء التقدير كبير، ويمكن أن تكون التداعيات العسكرية خطيرة أيضا. فمنذ ثلاثة عقود والبلدان يتأرجحان بين الحرب والسلم، وانتقلت العلاقات، في أوقات مختلفة، من نور السلم إلى ظلام الحرب. وفي النهاية، لا يزال عام 2012 يبدو شبيها بعام 1979 بصورة ملحوظة، فالبلدان ما زالا على خلاف شديد.
يتحمل كلا البلدين بعض الملامة على إدامة هذا الصراع. لقد ولدت الثورة الإيرانية من العداء للولايات المتحدة الأميركية، وما زال الزعماء الذين قادوا هذه الثورة قبل ثلاثين عاما في السلطة ولا يرون أي حاجة إلى تغيير مواقفهم. فالقادة الإيرانيون يرفضون النفوذ الأميركي الراهن في المنطقة، ومع كل صيحة تنادي بـ "الموت لأميركا" يأملون إعادة إشعال الحماسة ذاتها التي أوصلتهم إلى سدة الحكم وخلعت ديكتاتورا مكروها، هو شاه إيران، فرضته الولايات المتحدة الأميركية على إيران على أثر انقلاب عام 1953. قد تكون الولايات المتحدة الرجل الصالح في هذا النزاع، لكن هذا لا يعني أنها الرجل المثالي، فقد رفضت إدارتا بوش إشارات حسن النية الإيرانية، كما رفضتا أيضا قبول أي حوار لمعالجة مخاوف إيران الأمنية المشروعة. كما دعمت الولايات المتحدة صدام حسين ومموليه العرب في حرب دامية ضد الجمهورية الإسلامية راح ضحيتها مئات الآلاف من الجنود الإيرانيين. ولا تزال أزمة تغيير النظام شعارا متكررا، وإن كان غير واقعي، في العديد من الدوائر في واشنطن.
في العام 1994 بدأت بإجراء الأبحاث من أجل هذا الكتاب، المتضمن أكثر من أربعمئة مقابلة، فذهبت أولا إلى تامبا، حيث المقر الرئيس للقيادة المركزية الأميركية، كي أتحدث إلى الضباط المكلفين إدارة هذه الحرب الإيرانية الباردة انطلاقا من مبنى متهالك شبيه بالمتاهة في قاعدة ماكديل (MacDill) للقوات الجوية. وسافرت إلى الشوارع الخلفية من الأحياء الشيعية في جنوب لبنان، وإلى عواصم دول الخليج العربي المترفة، حيث أجريت مقابلات مع إيرانيين وعرب معنيين بهذه القصة. اطلعت على أوراق والدي، ومن ثم على القليل من كم هائل من الأوراق الشخصية والوثائق الرسمية الأخرى. وعلى الرغم من تغير الموضوع الذي ركز عليه الكتاب وتكشف التاريخ عن حقائق جديدة باستمرار، إلا أن جوهر القصة ظل على حاله، وهو أن البلدين متورطان في شبه حرب بقيت مجهولة إلى حد كبير منذ الثورة الإيرانية في عام 1979. لقد واجه ستة رؤساء أميركيين مختلفين خصما عنيدا، على ما يبدو، في طهران. شهد كل رئيس حدثا محددا دفع البلدين ذهابا وإيابا، مثل كرة لعبة "الفليبر"، بين التقارب والحرب. وما وجدت نفسي منخرطا فيه صباح ذلك اليوم من شهر نيسان/ أبريل في شمال الخليج كان الفصل الأخير من الملحمة المستمرة لهذا الصراع الغامض.
تتواصل هذه القصة في التكشف. وعند كتابة هذه السطور كانت إيران قد هددت بأنها ستغلق مضيق هرمز، وبدا أن البلدين عادا إلى الجانب المظلم من الصراع العسكري. فالملحمة، على ما يبدو، تدور في حلقة لا نهاية لها. وبعد قراءتي مذكرة حديثة توجز سياسات إدارة بوش الساعية إلى بناء تحالف عربي ضد إيران، كان بإمكاني، مثلما أخبرت نائب قائد البحرية في "سنتكوم" جون آلن، استبدال هذه المذكرة بمذكرة أخرى كتبت قبل خمسة وعشرين عاما، حيث إن سلفه كان يواجه التحدي نفسه الذي طرحته إيران. إن سعي إيران للحصول على التكنولوجيا النووية زاد من المخاطر والتوتر، لكنه لم يكن دافعا إلى الصراع. حاولت أن أروي قصة هذا الصراع المستمر منذ ثلاثة عقود بين إيران والولايات المتحدة بمنتهى الدقة والإنجاز. تبدأ القصة مع أحداث الثورة الإيرانية التي زرعت بذور الصراع وحولت البلدين بشكل حاسم من حليفين إلى خصمين، وتستمر إلى القصص الكامنة وراء العناوين الرئيسية في صحف اليوم. الأفكار المطروحة في هذا الكتاب هي أفكاري، ولا تمثل وجهات نظر وزارة الدفاع أو الحكومة الأميركية.
قال لي رايان كروكر، الدبلوماسي الأميركي الخبير، في مقابلة أجريتها معه: "بالنسبة إلى إيران، لا وجود للتاريخ، فالتاريخ هو الحاضر وهو ممتد حتى اللحظة. نحن الأمة الأقل اهتماما بالتاريخ وتطوراته، وهم الأمة الأكثر اهتماما به". في روايتي لهذه القصة، آمل أن أصوب هذه الوقائع. كنت أحد المشاركين في هذه القصة وباحثا موضوعيا في عناصرها، ولا سيما أنني صرت مؤخرا مستشارا لكبار مسؤولي وزارة الدفاع. إنها حرب أشباح، مجهولة إلى حد بعيد، والأرجح أنها الصراع الأكثر أهمية والأشد غموضا في التاريخ الحديث. إنها حرب الشفق."
ديفيد كريست مؤرخ أميركي
ديفيد كريست مؤرخ أميركي، يعمل في الحكومة الفيدرالية، وله خلفية عسكرية بوصفه عقيدا في احتياط مشاة البحرية الأميركية، شارك في حرب الخليج الأولى وخدم في أفغانستان والعراق. وقد انعكست هذه الخلفية البحثية والعسكرية على كتابه "حرب الشفق"، الذي يتناول ثلاثة عقود من الصراع الأميركي الإيراني اعتمادا على وثائق وشهادات واسعة.
كلمات دالة