فى عام 1902 ذهبت جائزة نوبل فى الأدب إلى المؤرخ الألمانى كريستيان ماتياس تيودور مومزن، فى واحدة من أكثر الجوائز المبكرة دلالة على اتساع مفهوم "الأدب" فى وعى الأكاديمية السويدية، فالموقع الرسمى لمؤسسة نوبل يوضح أن الجائزة منحت له بوصفه "أعظم معلم حى لفن الكتابة التاريخية"، مع إحالة خاصة إلى عمله الضخم "تاريخ روما"، ومن هذه الصياغة وحدها يمكن فهم أن نوبل، فى سنواتها الأولى، لم تكن تقصر الأدب على الشعر والرواية، بل كانت ترى أن الكتابة التاريخية يمكن أن تبلغ منزلة أدبية عالية إذا جمعت بين القيمة العلمية والقدرة الفنية على العرض.
وتزداد هذه الفكرة وضوحًا فى خطاب التقديم الذى ألقاه السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية فى 10 ديسمبر 1902، فالخطاب يبدأ بتأكيد أن لوائح نوبل تجعل "الأدب" يشمل، إلى جانب الآداب الجميلة، كتابات أخرى تُظهر قيمة أدبية فى الشكل أو المضمون، وهو ما يفتح الباب أمام الفلاسفة وكتّاب الدين والعلماء والمؤرخين، متى امتازت أعمالهم بجودة العرض ورفعة المحتوى، وبذلك لم يكن اختيار مومزن استثناءً عارضًا، بل تطبيقًا مباشرًا لفهم مؤسسى واسع لمعنى الأدب.
المؤرخ الألمانى كريستيان ماتياس تيودور مومزن
ويقدم الخطاب صورة بالغة الثراء لمومزن، فهو باحث غزير الإنتاج إلى حد أن قائمة منشوراته، كما يذكر النص، بلغت 920 عملًا عند إعدادها فى عيد ميلاده السبعين، كما كان صاحب دور محورى فى تحرير مشروع Corpus Inscriptionum Latinarum، وهو واحد من أهم المشروعات العلمية فى دراسة النقوش اللاتينية. لكن الأكاديمية شددت، قبل كل شيء، على أن العمل الذى دفعها إلى منحه الجائزة هو "تاريخ روما"، الذى رأت فيه جمعًا نادرًا بين الإحاطة العلمية الصارمة والأسلوب الحى القادر على تحويل الوقائع إلى صورة نابضة.
والملاحظة الأهم هنا أن الأرشيف الرسمى لا يتيح كلمة شخصية ألقاها مومزن نفسه، بل يتيح خطاب التقديم فقط، مثلما حدث مع أول فائز سولى برودوم، ولهذا فإن "كلمات نوبل" فى حالة مومزن هي، فى الحقيقة، ما قالته الأكاديمية السويدية عند تتويجه، لا ما قاله هو بنفسه. وربما لهذا السبب تبدو هذه الحلقة مهمة جدًا فى سلسلة "كلمات نوبل": فهى لا تقدم صوت الفائز، بقدر ما تكشف كيف كانت الأكاديمية، فى مطلع القرن العشرين، ترى المؤرخ الكبير كاتبًا يقف على الحد الفاصل بين العالم والشاعر.