تبرير وذريعة فى جملة واحدة. يعتذر الرئيس الإيرانى عن تطيير الشرر فى كل الاتجاهات الخاطئة، بدعوى أن تغييب القيادة قطع خطوط الاتصال، وترك الميدان يُدير شؤونه دون توجيه أو مُراجعة مُباشِرَين.
سعى إلى تمرير رسالة إيجابية لدول الجوار، ولعلّه لم يكن يتقصّد أن يُقوّى الضوء الأخضر لدى رؤوس الحرس الثورى الحامية، فإذا كان القرار لا مركزيًّا، وسُمِح بالمَزيّة فى زمن الحرب، فللجنرالات أن يفعلوا ما يرون.
يبدو موقف بزشكيان غريبا، بعدما تأكّد لاحقا أنه لم يكن محل إجماع، ولا تحت مظلّة القيادة الثلاثية التى تنوب عن المُرشد مؤقتا، لحين انتخاب خليفته الجديد.
وألمح للخلاف شريكاه، رئيس السلطة القضائية محسنى إجئى، ونائب رئيس مجلس الخبراء رضا أعرافى الممثل لمجلس صيانة الدستور.
لا يملك المثلث البديل سلطة كاملة، ولا حجيّة لقراراته إلا بعد اعتمادها بثلاثة أرباع مجمع تشخيص مصلحة النظام.
وتضارُب الرسائل حمل فى دلالته أنه لا وفاق عليها، كما لم يلتزم بها العسكريون، ولا بدا أنها محل ترحيب من الفقهاء.
الصورة غائمة تماما فى طهران. قُتِل المرشد بعد تهديدات وتحذيرات، وفوجئت سلسلة القيادة كما لو أن الرصاصة أتت على حين غرة.
تبدّد كل ما قيل فى آخر سنتين، عن تهيئة المرشد الأعلى لبيئة وراثته، ووضع أسماء، وتحديد لجنة ثلاثية للإشراف على نقل الولاية.
تواترت الأنباء صباح أمس عن اختيار البديل، وكان مجلس الخبراء قد اجتمع وتعرض للاستهداف، ثم استقر على التصويت بالتمرير.
وإلى وقت الكتابة لم يُعلَن الاسم الذى سيُوضع على لائحة الاغتيالات لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، والأرجح أن القدر لن يتخطّى مجتبى خامنئى.
لا يُمسك حرس الثورة بساحة القتال فحسب، بل بخناق البلد كاملا. والابن الثانى للمرشد وثيق الصلة به، ومحسوب على جناح الصقور بين المراجع الفقهية.
ما يعنى أن تقديمه إلى الواجهة ينطوى على إفادات لا يُمكن تجاوزها: القديم باقٍ، لا رغبة فى المُراجعة والتقويم، والبندقية صارت تتقدم على العمامة وتقودها، لا العكس.
والفكرة ذاتها تنطبق على أى بديل آخر من الحظيرة المُتشددة. ربما الاستثناء ينعقد لاسم حسن خمينى، وكان أحد المُرشّحين بالفعل، إنما لا تبدو الرياح سيّارة باتجاه العقل فى دولة الملالى.
قد يُخفَى اسم الوريث لفترة، خوفا عليه وحماية له، لكنه سيُعرَف فى آخر المطاف. والخشية أن يكون الإفصاح عن هويته ضمن خبر الإعلان عن مقتله!
الانكشاف عميق للغاية، وضارب إلى النخاع. لهذا، ربما يُنظَر لنجاة بزشكيان من المقتلة بتحفظ وارتياب، وبعيدًا من التخوين، فأقلّه أن الغزاة تركوه ليكون خاصرة رخوة، وطرحًا ناعمًا يُقوّض النظام من داخله.
يُحسَب الرئيس على التيار الإصلاحى، وإن بدا أقرب إلى ساكنى البرزخ الملتبس بين الجبهتين. وقد صعد لمنصبه على غير هوى الأغلبية الحاكمة، وبإسناد من المُرشد.
كان خيار خامنئى حصرا لفتح كوّة فى الجدار، ولم يكن انحراف سلطة كاملة عن إرثها العتيد، تعهّد الرجل بتجنيب الخليج، فعقّب الثوريون سريعا بتكثيف الهجمات والأهداف.
لا يتحدث الداخل لُغة واحدة، وينقسم على نفسه بأكثر وأعمق مما يتخيل العالمون بهشاشة البناء، والآملون فى تداعيه بقصوره الذاتى.
إمّا حصل بزشكيان على وعد وفوجئ بمخالفته، أو غامر بإعلان الموقف منفردًا لإحراج الصقور ووضعهم أمام الأمر الواقع، فى الحالين، ثمّة خلاف عميق، وإشارات عن تضارب قد يُقضى إلى انقسام وانشقاقات، وأجنحة ستطيح غيرها، ورؤوس ستُقطَف من الداخل، ولن تنتظر سيف العدو الخارجى.
العاقل فى مصحّ المجانين، أخطر ما يكون على نفسه ومجاوريه. الرئيس فى خطر، أدناه العزل وأعلاه القتل، وكلاهما يتطلّب مُرشدا يتّخذ القرار.
لن تستقر العمامة ما لم تكن على هوى حرس الثورة، والمطابقة مُقدّمة لتطويحها، وسيكون التشظى وجوبيا ما لم يُعَجّل باستدراك المسار.
سترتفع وتيرة الحرب وتنخفض، والنافذة السياسية ضيقة وتضيق.. معيار أن يكون المُرشد «مكروها من العدو» وصفة انتحارية.
الاستنزاف المُتبادَل يضر الأضعف أضعافا، والجمهورية الإسلامية بلغت الشيخوخة، ولن تُحصّل فيها ما عجزت عنه فى صباها وأَوج عافيتها.
ثورة بلا ثوار، وإرث يثقل حامليه. يُعاد إنتاج النظام على صيغة أكثر تشوّها، سيكون المٌرشد فيها آمرًا ومأمورًا، والصقور فى مقاعد المحافظين والإصلاحيين، وتصفية التركة القديمة مسألة وقت لا أكثر.