يُفتح الستار.. في منتصف المسرح منضدة كبيرة، عليها مجسم لخريطة العالم، وعلى الجانب الأعلى زجاجة من الكولا دايت، ممتلئه إلى نصفها، يوجد بجوار المنضدة كرسي، على الحائط الأيمن من المسرح، مرآة كبيرة بحجم الحائط، تعكس المسرح والطاولة والكرسي، يدخل من الباب من جهة اليسار ترامب ويسمع أصوات وهتافات، يغلق الباب في سرعة خاطفة. يرتدي بزته المعهودة الداكنة اللون، وكرافتة حمراء طويلة، وبشعره النحاسي المرسل، ولونه البرتقالي، يحمل في إحدى يديه أوراق وخرائط، وفي الأخرى قلم يمتد إلى ما يقرب المتر، ليشير به إلى المناطق التي يريد الإشارة إليها، يضع الأوراق على المنضدة، ويرتشف من الكولا القليل في لذة، يلتف حول المنضدة مرتين أو ثلاث يشير بالقلم على بعض المناطق التي تتوسط الخريطة ثم يتأملها، وعينيه شاردتان، يبتسم في تيه، يهز رأسه، يرجع خطوات ناظرا إلى المرآة، ينظر في وجهه وإلى خصلات شعره التي تتدلى على جبينه، يظهر فوق رأسه تاج مرصع بالألماس والياقوت، والذهب يلمع بين مفرق شعره، وفوق بدلته عباءة فضفاضة، ينظر إلى جسده وقد تضخم في المرآة أضعاف حجمه، أو يبدو له ذلك، ينتفخ ويمتلأ زهوا، يُدخل يده في جيب البنطلون، ويخرجها رافعا يديه إلى الأعلى، ضاربا طلقتين في الهواء، مُصدرا صوت طاخ طاخ، يحدث نفسه في المرآة: لا بد من قيادة العالم تحت عباءتي، فأنا استحق ذلك، ومن يمتلك ما أمتلك، فأنا رئيس أقوى دولة في العالم، أكثر من مليون جندي، ثلاث عشر ألف طائرة عسكرية، ترسانة نووية متقدمة، مقاتلات متطورة، قاذفات استراتيجية، حاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية، ترسانة عابرة للقارات، غواصات مليئة بالصوارخ الباليستية، قواعد عسكرية منتشرة في دول كثيرة تابعة في مشارق الأرض ومغاربها، ومدمرات، قوى هائلة لا يقوى أحد على مجابهتها ولو ساعة من زمن، يجب أن يعرف العالم فضل قوتنا، ومدى إمكانياتنا، يعرفوا لنا مكانتنا بينهم، وإننا بمثابة الرأس في هذا العالم، يهمس.. أمريكا.. ترامب.. الرجل الأول الأوحد.. أول القائمة.. الرأس..العقل المدبر.. يعود إلى الخريطة ينظر إليها، يشير بقلمه إلى مناطق أخرى من الخريطة، أقصى الشرق، أقصى الغرب، يضع دائرة في الهواء حول العالم المجسم أمامه، يضرب على بعض المناطق بقلمه بقوة قائلا: هنا وهنا وهنا أيضا، لا بد من أن يُقدم لنا العالم القرابين، يُدفع لنا ضرائب وإتاوات، نُقدم لهم بها نظرات عطف وشفقة لا أكثر، يلقي بنظره على بعض الأماكن في الخريطة وتبدو على سحنته اشمئزاز، فترتيب الدول على هذا النحو لا يرضيني، انها تحتاج إلى إعادة صياغة مرة أخرى، هناك أشياء يجب أن تُمحى، فليست بذات أهمية بالنسبة لنا، وأخرى تتقلص قليلا، ويتسع البعض، فالعالم على هذا النحو لا يصلح، إن هذا العالم غبي، يحتاج إلى الأذكياء من أمثالنا لنصحح لهم المسار، إن العالم بدوننا يتخبط في دياجر الظلام، نهبهم النور، رغم أن الكثير منهم لا يستحق نعمة الحياة، فيجب أن نتخلص منهم، حتى لا يعكروا صفو الأشراف منا، إن خطرهم مركب، فهم خطر على أنفسهم وعلينا، ونحن نقدم لهم خدمة جليلة، لو أرحناهم بالموت، وأرحنا أنفسنا منهم، ويجب أن يشكروننا بعد أن يموتوا، ولكنهم سوف ينكرون فضلنا عليهم أعلم ذلك، فهم كافري نعمة، كم أكره الذقون، التي يتحلى بها بعض الإيرانين، إني أبغضها وأشعر بالغثيان، حين تقع عيني عليها، فيغلي دمي، وأود التخلص منهم وإزالة أثرهم من الأرض، كذلك الفنزواليين أنهم لا يعرفون مصلحتهم، عملت على مساعدتهم في التخلص من قائدهم ورئيسهم، لم يكن الأمر صعب، كان بمثابة وخزة دبوس، فقد أسرته من فوق سريره، وحققت ما أراه واجب تجاه شعب غلبان، إنه الأن يحلف بحياتنا ويمجدنا لما فعلنا من أجله، ماذا تقول؟ الصين وروسيا، أعداد غفيرة، العدد في الليمون، غثاء كغثاء السيل، لا قيمة له، لن يجدي قوة السلاح معهم، فهم يملكون بعض منه، فلي معهم طريقة أخرى في الحرب، إنها المحاصرة الاقتصادية، والضرائب الباهظة، حتى يأتي كل منهم يتوسل، ويريد الحماية، وفك القيود، سوف تكون مستعمرات لنا، وهذا شرف يجب أن يسعوا جاهدين لينالوه، شرف عظيم لهم لو كانوا يعقلون، لكنهم لا عقل لهم، يرفع رأسه ويشرب جرعات من الكولا، يخرج سيجار، ويشعله وينفخ في الهواء، سحابة كبيرة تملأ سماء المسرح من الدخان، يبتسم بزهو، يعود إلى المرآة، ويدقق النظر فيها، يرى نفسه فتتسع عينيه، يحدث نفسه قائلا: إن العالم لن يرزق برجل مثلي مرة أخرى. يستمع إلى دوي طلقات نار قادمة من الخارج، تهز المسرح، يصرخ في المرآة: أنا ترامب، يرى في داخل المرآة رجال ونساء راكعين، رافعين أيديهم، يقدمون فروض الولاء والطاعة، تختفي الصورة، يصرخ في المرآة بعصبية، يجب أن أحكم العالم، فانا المنقذ، يجلس على الكرسي بجوار المنضدة، يأخذ نفسا عميقا من سيجارته، يرتشف قليل من النبيذ، يضع السيجار على المطفأة، يبتسم ابتسامة الظافر، ويسرح بخياله,عالم جديد، وخريطة مستحدثة، طمس بلاد، واستحداث أخرى، تحيط به حاشية عظيمة، يتفقد الرعية، تضرب يده المطفأ,ة في نشوة الانتصار، تسقط السيجارة بين الأوراق، شزرة وأخرى تشتعل الأوراق، تمتد إلى الخريطة المجسمة، لم يزل هو في خياله يمتطي جماحه، يدور حول عالمه، يتفقد مملكته، تصعد السنة النار، ينتبه إلى النار، التي تأكل الحلم الوليد، يحاول أن يطفئها ولكنها تعلو في وجهه وتطال بدلته، لا تستجيب ليده التي تحاول انقاذه، يدور حول نفسه في هلع شديد، ينظر في المرآة والدخان الأسود يتصاعد ويتضاعف، يصرخ: أنا الملك، أنا المنقذ، تضرب يده المرآة تنكسر وتتطاير أجزاء منها، تصيبه شظية في عينيه، يسقط راكعا من الالم، تتعالى ألسنة النار ويحمل الهواء رائحة اللحم المشوي، تسقط يده وسط الحريق، يغلق الستار.
"مونودراما"
خالد دومة