الذكرى الـ 14 لرحيل البابا شنودة الثالث.. أربعون عامًا فى القيادة الروحية والوطنية من أسقف للتعليم إلى بطريرك للكنيسة.. ونهضة تعليمية وروحية غير مسبوقة.. مواقف وطنية.. وإرث ممتد في عهد البابا تواضروس الثاني

الإثنين، 09 مارس 2026 11:00 م
الذكرى الـ 14 لرحيل البابا شنودة الثالث.. أربعون عامًا فى القيادة الروحية والوطنية من أسقف للتعليم إلى بطريرك للكنيسة.. ونهضة تعليمية وروحية غير مسبوقة.. مواقف وطنية.. وإرث ممتد في عهد البابا تواضروس الثاني قداسة البابا شنودة الثالث

كتب: محمد الأحمدى

تحل في 17 مارس من كل عام ذكرى نياحة قداسة البابا شنودة الثالث، البطريرك الـ117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الذي رحل عام 2012 بعد مسيرة امتدت لأكثر من أربعة عقود على الكرسي المرقسي. وتبقى ذكراه حاضرة في وجدان الأقباط والمصريين عمومًا، لما مثّله من رمز روحي ووطني ترك بصمة واضحة في مسار الكنيسة والحياة العامة في مصر.

 

نشأة علمية وبدايات في الخدمة

وُلِد البابا شنودة الثالث في 3 أغسطس 1923 بقرية سلام بمحافظة أسيوط باسم نظير جيد روفائيل تنقّل في مراحل تعليمه بين دمنهور والإسكندرية وأسيوط، حتى أتم دراسته الثانوية في مدرسة الإيمان الثانوية بشبرا منذ شبابه المبكر، ارتبط بخدمة الكنيسة، إذ بدأ العمل في مدارس التربية الكنسية عام 1939، وهو ما شكّل وعيه الروحي والتعليمي مبكرًا.


التحق بالكلية الإكليريكية عام 1946 وتخرج فيها عام 1949، ثم اختير رئيسًا لتحرير مجلة مدارس الأحد في أكتوبر من العام ذاته. وفي عام 1954، ترهب بدير السيدة العذراء السريان بوادي النطرون باسم الراهب أنطونيوس السرياني، ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته الرهبانية التي اتسمت بالهدوء والتأمل والبحث اللاهوتي العميق.

 

من أسقف للتعليم إلى بطريرك للكنيسة

في عام 1962، اختاره البابا كيرلس السادس أسقفًا للتعليم باسم الأنبا شنودة، وهو المنصب الذي برز فيه بوضوح، إذ عُرف بقدراته الوعظية واهتمامه الكبير بتثقيف الشباب والدفاع عن العقيدة الأرثوذكسية. أسس مجلة “الكرازة” عام 1965، وانضم إلى نقابة الصحفيين عام 1966، في دلالة على حضوره الفكري والثقافي إلى جانب دوره الكنسي.


بعد نياحة البابا كيرلس السادس في مارس 1971، تم اختيار الأنبا شنودة بالقرعة الهيكلية في 31 أكتوبر 1971 ليصبح بطريركًا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وجلس رسميًا على الكرسي البابوي في 14 نوفمبر 1971، ليبدأ عهدًا استمر 40 عامًا و4 أشهر من القيادة المتواصلة.

 

نهضة تعليمية وروحية غير مسبوقة

خلال فترة حبريته، قاد البابا شنودة الثالث نهضة تعليمية واسعة داخل الكنيسة. عمل على تطوير المعاهد اللاهوتية، وأسس معهد الرعاية والتربية ومعهد الكتاب المقدس، كما دعم إنشاء أسقفيات متخصصة، منها أسقفية الشباب عام 1980، لتعزيز خدمة الأجيال الجديدة.
وفي إطار الانفتاح الإعلامي، أطلق عددًا من القنوات الفضائية القبطية، أبرزها قناة أغابي عام 2005، وقناة CTV عام 2007، وقناة مارمرقس عام 2011، بهدف نشر التعليم المسيحي وتعزيز التواصل مع الأقباط في الداخل والخارج. كما افتُتح في عهده المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي عام 2008، ليكون منصة للحوار الثقافي والفكري.
هذه الجهود جعلت من عهده مرحلة مفصلية في تاريخ الكنيسة، حيث انتقل العمل الكنسي من الإطار التقليدي إلى آفاق أوسع تجمع بين التعليم والإعلام والخدمة الاجتماعية.

 

مواقف وطنية في أوقات مفصلية

لم تقتصر بصمة البابا شنودة على الشأن الكنسي، بل امتدت إلى المجال الوطني. عُرف بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية وحقوق القدس، كما ساند مصر خلال حرب أكتوبر 1973. وفي فترة حساسة من تاريخ البلاد، واجه أزمة قرارات سبتمبر 1981 التي تضمنت وضعه تحت الإقامة الجبرية، قبل أن يعود إلى مقره البابوي عام 1985، في مشهد عكس عمق حضوره الشعبي والكنسي.

ومع اندلاع ثورة 25 يناير 2011، دعا إلى الحفاظ على استقرار الوطن، مؤكدًا أهمية الوحدة الوطنية ودور الجيش المصري في حماية البلاد. وظل يؤكد في عظاته وكتاباته أن الكنيسة جزء أصيل من نسيج الدولة المصرية، وأن الوطنية لا تنفصل عن الإيمان.

 

إنتاج فكري غزير وتأثير عالمي

تميّز البابا شنودة الثالث بكونه كاتبًا غزير الإنتاج، إذ ألّف ما يقرب من 150 كتابًا في مجالات العقيدة والروحيات والتأملات الكتابية. تُرجمت العديد من مؤلفاته إلى لغات مختلفة، ما ساهم في انتشار فكره خارج مصر كما عُرف بعباراته المؤثرة التي تحولت إلى أيقونات لغوية متداولة، مثل: “مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا”.


وفي شهادات مقربين منه، يؤكد القمص بولس الأنبا بيشوي، سكرتيره الخاص، أن البابا شنودة كان يعتبر التعليم “حامي الإيمان”، وكان يرى أن التجديد الحقيقي يبدأ من الفكر. وكان يردد دائمًا: “نحن لا نحارب شخصًا إنما نحارب فكرًا”، في إشارة إلى منهجه في الحوار والدفاع العقائدي.

 

إرث ممتد في عهد البابا تواضروس الثاني

بعد نياحته في 17 مارس 2012 عن عمر ناهز 88 عامًا، انتقلت مسؤولية القيادة إلى خلفه البابا تواضروس الثاني، الذي واصل مسيرة التطوير بروح معاصرة. ويُجمع مراقبون على أن كثيرًا من المؤسسات والمبادرات التي أطلقها البابا شنودة شكلت أساسًا للبناء اللاحق في عهد البابا تواضروس، سواء في مجالات التعليم أو الإعلام أو العلاقات المسكونية.

 

ذكرى تتجدد في وجدان الأقباط

في ذكرى نياحته كل عام، تتجدد الصلوات والقداسات في الكنائس، وتُستعاد مقاطع من عظاته وكتاباته، كما تُنشر مقالات وندوات تستعرض مواقفه التاريخية وإسهاماته. ويحرص كثير من الأقباط على زيارة ديره ومقره البابوي، مستحضرين صورة الأب والمعلم الذي جمع بين الحزم والرقة، وبين الفكر العميق واللغة البسيطة القريبة من الناس.

تمثل ذكرى 17 مارس محطة للتأمل في مسيرة رجل قاد الكنيسة في مرحلة مليئة بالتحديات السياسية والاجتماعية، ونجح في الحفاظ على تماسكها الداخلي وتعزيز حضورها الخارجي. وبين التعليم والخدمة، وبين الوطنية والإيمان، رسم البابا شنودة الثالث ملامح مرحلة كاملة من تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

ومع مرور السنوات، يبقى اسمه حاضرًا في الذاكرة الجماعية، ليس فقط كبطريرك جلس على الكرسي المرقسي أربعة عقود، بل كمعلم ومفكر وقائد روحي ترك أثرًا يتجاوز حدود الزمن.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة