نواصل سلسلة مقدمات الكتب، ونتوقف اليوم مع كتاب "البرنامج النووي الإيراني: تحليل البعدين الداخلي والخارجي"، للدكتور ستار جبار علاى، وهو ما نحتاج لمعرفته مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والكتاب صدر عن دار نشر العربي للنشر والتوزيع، سنة 2021، ويناقش الكتاب الغموض الذي يكتنف أهداف إيران النووية، بين التأكيد الإيراني على السلمية والشكوك الغربية حول الأهداف العسكرية، ويستعرض تطورات الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى، وتأثير الانسحاب الأمريكي منه على العلاقات الدولية، ويحلل العوامل التي تدفع إيران للاستمرار في برنامجها النووي، مثل الفخر الوطني والرغبة في إثبات الذات.
جاء في المقدمة:
تعد قضية البرنامج النووي الإيراني من أكثر قضايا الانتشار النووي تعقيدًا وتشابكًا في الوقت الراهن، وتثير العديد من الأبعاد التي تبدأ بالنوايا النووية الحقيقية والغموض الذي يميز سياسة إيران في هذا الإطار منذ البداية، وما يرتبط به من عدم تصديق الأطراف الأخرى لما هو معلن منها. وتتباين الاتهامات تجاه البرنامج النووي الإيراني؛ فالمؤشرات الأمريكية والغربية تشير إلى نشاطات نووية إيرانية غير سلمية، دون وجود ما يؤيد تلك الرؤية، مقابل تأكيد إيراني بأن البرنامج سلمي، ولغرض الاستفادة العلمية وإنتاج الكهرباء لسد حاجة إيران منها. ولا يزال البرنامج النووي الإيراني يثير الجدل في الأوساط السياسية والأكاديمية، وتبرز تطوراته مسارات واتجاهات مختلفة عند تحليلها، فالقضية النووية اليوم هي قضية وجود وطموحات قبل أي شيء آخر، ولعل أهمية هذا البرنامج وأهدافه ومستوياته هي القضية الأكثر إثارة للجدل بمختلف أشكاله. وقد أبرمت إيران اتفاقًا نوويًا مع القوى الغربية الرئيسة بما يمكن من مراقبة هذا البرنامج واستمراره في صيغته السلمية، وتمكنت بذلك من التخلص من العقوبات الدولية المختلفة التي فرضت عليها بسبب استمرارها في برنامجها النووي، وبدأت ملامح مرحلة جديدة في العلاقة ما بين الطرفين، وأصبح المستقبل محملًا بملامح وتصورات تباينت بشكل واضح بين الطرفين، إلا أن هذا الاتفاق سرعان ما نُقض من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي انفردت بذلك عن القوى الغربية الأخرى، وبدأت بخطوات متسارعة في التصعيد مع إيران؛ لتعيد الجدل مجددًا حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني ومستقبله.

البرنامج النووي
وهناك العديد من العوامل التي تقف وراء إصرار إيران على إنجاز برنامجها النووي، من أهمها عاملا السمعة والتأثير. فإصرار إيران على برنامجها يعد دليلًا على تقدمها وأنها أصبحت قوة صناعية حديثة متقدمة، وأن سعي الغرب لحرمان إيران من استكمال برنامجها النووي هو الرغبة في السيطرة على إيران، لمنعها من تبوؤ مكانتها اللائقة في المنطقة والعالم الإسلامي، كما يلعب قادة إيران دائمًا على وتر الفخر الوطني للإيرانيين وإحساسهم بأنهم قوة عظمى. ولذلك تسلك إيران طريقًا دبلوماسيًا أكثر اعتدالًا وانفتاحًا. ومفتاح الحل، في نظر إيران، يكمن في معالجة مخاوفها ومخاوف الغرب بالتزامن، فالمشكلة بالنسبة لإيران هي ضمان برنامج التطوير النووي للمستقبل. فالإرادة السياسية هي التوصل إلى حل تفاوضي لهذه القضية، وعدم تأزيم الوضع في المنطقة، كما أنه لا يمكن الالتفاف على إيران لإرساء الاستقرار إقليميًا. فالخطاب السياسي الإيراني تراوح بين تصعيد واعتدال في خطابه الدبلوماسي والتفاوضي، وباتت إيران على شبه قناعة بأن الغرب لا يملك الوسائل الكافية للتورط في نزاع جديد في الشرق الأوسط، وتمتلك إيران وسائل بإمكانها إحداث اضطرابات في الشرق الأوسط، وهذه الحقائق تعزز انتصار إيران على التحالف الغربي، فقد واجهت أشد العقوبات الاقتصادية لعشرات السنين، وباتت أكثر قدرة على الصمود، ولإيران الحق في تطوير الطاقة النووية، وهم بذلك يتطلعون إلى المصلحة القومية بزهو وافتخار غير عابئين بالتهديدات الأمريكية. ويثار التساؤل: لماذا تحرم قوة إقليمية مثل إيران من حقها في امتلاك برنامجها النووي وتفعيله، وهي التي أكدت أن مساعيها في هذا المجال تهدف إلى أغراض سلمية، في حين يسمح لإسرائيل وباكستان بامتلاك هذه القوة، وهما الأقرب إلى إيران؟ وإذا كان العالم بأسره يسعى للحصول على سلاح نووي، فلماذا تتهم إيران بتهديد السلم العالمي والسلام في المنطقة، ولماذا تتعرض للمزيد من الضغوط من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها؟
من ناحية أخرى يسعى التحدي الغربي إلى إقناع إيران بأن المضي قدمًا في البرنامج النووي لن يساهم في زيادة تأثير وسمعة إيران في المنطقة. لكن إيران، بوصفها إحدى الدول التي وقعت على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، من حقها تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية. أما الاتهامات التي توجه إليها من قبل أمريكا وإسرائيل وكذلك من قبل الاتحاد الأوروبي بأنها تنوي امتلاك القنبلة النووية، فقد تكون لا أساس لها من الصحة، وهي فقط نتاج عدم الثقة في الحكومة الإيرانية. هل يعني هذا أن إيران على حق؟ إيران تشعر باستمرار بأنها تحت الضغوط الدولية والوصاية، ومن ثم فإنها تحاول أن تثبت لنفسها وللعالم بأنها قوية بما فيه الكفاية لمواجهة تلك الضغوط، على الرغم من عدم وجود من يشكك في قدرات إيران النووية. فالسؤال هو: هل يوجد في إيران قادة سياسيون قادرون على استغلال طاقات البلاد وتوظيفها بشكل سليم؟ وحول ذلك يدور الشك. ففي الوقت الذي يحتفل فيه الإيرانيون بهذه القفزة التكنولوجية، تزداد الفجوة بين طهران والدول التي تشكك في نواياها النووية.
الدراسة
في ضوء كل ما تقدم حاولت الدراسة الانطلاق من فرضية أن هناك سعيًا متزايدًا بين مختلف الدول لامتلاك التكنولوجيا النووية، إلا أن البواعث على هذا التحرك تتباين بشكل واضح، وتحكمه إلى حد ما طبيعة العلاقات الدولية لهذه الدولة مع القوى العظمى؛ إذ يمكن أن يكون هذا المسعى موضع ترحيب ودعم إذا كان الطرف الساعي حليفًا قويًا يخدم المصالح الغربية، وهو ما كانت عليه إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي تحديدًا. ولكن اختلاف النظام السياسي، واختلاف توجهاته ومصالحه عن مصالح القوى الغربية، يمكن أن يثير الكثير من المشاكل والعقبات، حتى وإن كانت الطموحات والتوجهات ذات طابع سلمي، وهو ما يبرز في حالة إيران اليوم.
ويبرز السؤال الأساسي وهو: هل ستتوقف إيران عن الاستمرار في برنامجها النووي؟ وهنا تتباين الإجابة على ذلك، فإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فيكون السؤال الثاني هو: متى؟ أما إذا كانت الإجابة بالسلب، فيكون السؤال هو: لماذا؟ وما هي النتائج؟ فهل سيؤدي استمرار هذا البرنامج إلى سقوط النظام السياسي الإيراني أم لا؟ وما هي الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية لهذا البرنامج في بعده الداخلي؟ وما دور الدول الإقليمية والدولية في محاولة إقناع إيران بوقف برنامجها، أو التعهد الرسمي بعدم التحول إلى التكنولوجيا النووية العسكرية؟ ومتى يمكن أن تقبل إيران طواعية بالحد من تطور قدراتها التكنولوجية النووية؟
المنهج
انطلاقًا مما تقدم، سعت الدراسة إلى لاستفادة من مختلف المناهج العلمية، إذ اعتمدنا أحيانًا المنهج الوصفي في بيان بعض التفاصيل مع اقترانه بالمنهج التاريخي لإكمال الفائدة، إلى جانب الاستعانة بالمنهج التحليلي في تحليل بعض القضايا والمواقف، وعلى الرغم من كل ذلك يبقى استخدام المنهج محكومًا في كثير من الأحيان بطبيعة التطورات موضع الدراسة.
الأهمية
إن استعراض تطور البرنامج النووي الإيراني منذ بداياته يطرح التساؤل بشكل واضح، فقد تساءلت العديد من الدول ومراكز الأبحاث المختلفة عن الهدف من وراء سعي إيران إلى امتلاك محطات الطاقة النووية على الرغم من المخزون الكبير من النفط والغاز. وهذا سؤال مهم حاولت الدراسة بيانه وتبرير سعي الإيرانيين في هذا المجال.
وبافتراض أسوأ الاحتمالات الناجمة عن المساعي الإيرانية في مجال الطاقة النووية التي ما زالت تتسم بطابع الغموض، ماذا يمكن أن يترتب على المسعى الإيراني في حالة نجاحه؟
وما هي نتائجه على المنطقة تحديدًا والإقليم بصورة عامة؟
ويبقى التساؤل الأهم: ما هو هدف الولايات المتحدة من هذه الحملة المتصاعدة على إيران وبرنامج إيران النووي الذي تؤكد أنه مخصص للأغراض السلمية، في الوقت الذي تغض الولايات المتحدة الطرف عن إسرائيل، وتدعم بشكل واضح دولة محتلة لأرض عربية تمتلك قدرات نووية وقنابل نووية، على وفق ما أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت؟
الأهداف
أصبحت التكنولوجيا النووية وامتلاك قدراتها عاملًا مهمًا في تحديد مكانة الدولة، وما يمكن أن تحصل عليه من مكاسب أو امتيازات في مواجهة خصومها والتهديدات الموجهة إلى نظامها السياسي، وهذا ما جعل العديد من الدول تسعى إلى امتلاك التكنولوجيا النووية والاستفادة منها في مختلف المجالات، إلا أن هذا السعي أصبح اليوم مشكلة كبرى للعديد من الدول، وبات التهديد والوعيد لغة واضحة في محاولة منع أو قمع الدول الساعية إلى امتلاك هذه الطاقة أو محاولة الاستفادة منها، ومن هنا جاءت هذه الدراسة عن البرنامج النووي الإيراني.
إن محاولة الإلمام بالأهداف الإيرانية من وراء برنامجها النووي محاولة صعبة نوعًا ما، فالدول غالبًا لا تكشف عن أهدافها وطموحاتها بسهولة، وخصوصًا إذا كانت تواجه تحديات وتهديدات من مختلف الأطراف التي تتخوف من هذه الطموحات والبرامج، إلا أن الدراسة حاولت الإحاطة ببعض الأهداف المعلنة عن البرنامج الإيراني، دون إغفال ما يمكن أن تنطوي عليه الطموحات الإيرانية، إذا كانت بنوايا غير معلنة، من مخاطر وتحديات آنية ومستقبلية.
لقد سعت الدراسة إلى محاولة تتبع بدايات البرنامج الإيراني للطاقة النووية، ودور الدول الغربية في تمكين إيران في عهد الشاه من السير في طريق امتلاك بعض المفاصل المهمة في ميدان الطاقة النووية، وخصوصًا الشركات الألمانية التي كانت عنصرًا مهمًا في البرنامج الإيراني، دون إغفال دور الولايات المتحدة التي كانت الداعم الرئيس للشاه في طموحاته وتطلعاته. مصالح أم اختلاف أولويات؟ ولماذا هذه التحركات اليوم لمنع إيران من امتلاك التقنية النووية؟ فالولايات المتحدة هي من حفز الشاه في مجال الطاقة النووية، لماذا تغيرت هذه الرؤية بعد الثورة الإسلامية عام 1979؟ هل هو اختلاف؟
ختامًا، شكري وتقديري واعتزازي بكل الجهود الكريمة التي ساهمت في إثراء هذه الدراسة، وظهورها بشكلها الجديد. لقد تفضل عليّ العديد من الزملاء بمصادر مهمة تخص الدراسة، وقدم آخرون ملاحظات مهمة، وشجعني غيرهم على تقديمها مجددًا، وللجميع أسجل هنا شكري لهم ولجهودهم الصادقة وأيديهم الكريمة، وأعتذر عن أي قصور أو نقص في هذه الدراسة، فأنا أتحمل المسؤولية وحدي، وقد عبرت فيها عن رؤيتي بصدق دون أي انحياز لجانب على حساب جانب آخر، فالدراسة في منطلقها وتصورها أكاديمية دون أي توجه أو انتماء لجهة أو طرف مهما كان، ويبقى تقويمها متروكًا للقارئ الكريم الذي له القول الفصل في أهميتها ومضمونها، وله أترك كلمة الفصل دون أي أحد غيره، مرحبًا بكل رؤية ونقد بناء يهدف إلى تقويم"
......
د. ستار جبار علاي هو أكاديمي وباحث عراقي متخصص في العلوم السياسية. حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية عام 2003، ويشغل منصب أستاذ مساعد في مركز الدراسات الدولية بجامعة بغداد. ومن مؤلفاته الأخرى: "التجربة الهندية: أكبر ديمقراطية في العالم"، و"الأرض المحرمة: كوريا الشمالية"، و"التجربة الإيرانية: المرشد الأعلى والنظام السياسي".