كثيرًا ما سمعنا عن ريادة المرأة المصرية في مجالات مختلفة، كالطب، والمحاماة، والرياضة، والأدب، والتعليم، والإذاعة، لكننا لم نفكر في البحث لمعرفة الأوليات في تلك المجالات، وبرغم ذكر أسامي تلك الرائدات كانت تُذكر في بعض المقالات، أو الكتب، أو الأفلام الوثائقية، لكن بحكم الزخم المعلوماتي الذي تعاني منه الأجيال الجديدة، تضاءل حجم معرفتهم بهذه المصادر، ولم يعرف عنها سوى المهتمين بالثقافة، والباحثين عن المعرفة.
لكن كتاب أنا الأولى، الذي صدر عن دار ريشة للنشر والتوزيع، وألفته الزميلة زينب عبد اللاه، نجح في تسليط الضوء على نساء، كان لهن الفضل الأول، في فتح الباب أمام المرأة المصرية للتفوق والريادة، وساهمن في خروجهن للحياة العملية، وأتمنى أن يتحول هذا الكتاب إلى نسخة صوتية، ليتسع انتشاره للقراء، وحتى تتحقق هذه الأمنية، دعونا نستعرض معًا أبرز ما جاء في هذا الكتاب المميز.
تحكي الزميلة زينب عبد اللاه في مقدمة الكتاب، عن المجهود الشاق، الذي بذلته في جمع المعلومات والوثائق، التي تحكي لقطات وكواليس من حياة الرائدات، وعن صعوبة الحصول على بعض المعلومات والتفاصيل عن بعض الشخصيات، فلم تتمكن من جمع معلومات كافية عن حياة أوائل الفتيات الملتحقات بالأزهر، وأول مَن حصلت على العالمية، فقد تمكنت من الحصول على أسمائهن وجزء لا يُذكر من المعلومات عن حياتهن.
وقد استعانت في كتابها ببعض المراجع، كموسوعة أعلام الأزهر، للدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، ومذكرات نبوية موسى التي نشرتها بعنوان: تاريخي بقلمي، وكتاب ألحان السماء للأديب الراحل محمود السعدني، بالإضافة إلى مقالات وحوارات نُشِرت لهن في الصحف والمجلات المعروفة في تلك الفترة.
كما أجرت حوارات مع بعض الشخصيات القريبة من هؤلاء الرائدات، كأحفاد عباسية فرغلي أول فتاة تقود سيارة، ومصطفى محمد محمود شعبان، ابن الإذاعية الراحلة صفية المهندس وبابا شارو، وبعض الأحياء منهن كالدكتورة فايزة هيكل عالمة الآثار، والسيدة عبلة عادل خيري السباحة الشهيرة، وأول فتاة تعبر المانش.
بدأت الكاتبة حديثها عن أولى النساء الاتي التحقن بالجامع الأزهر، لتلقي العلوم الدينية، وذكرت أن أولى الفتيات الاتي تقدمن للحصول على شهادة العالمية كُنّ 3 فتيات، هنّ فاطمة الحلفاوية، وفاطمة الغنامة، وفاطمة العوضية، ولم يرد عنهن معلومات أكثر من دراستهن ونبوغهن في المسجد الأحمدي في طنطا، وأوضحت أن التحاق النساء بالأزهر بدأ قبل تلك الفترة بكثير، إذ استعانت عائشة التيمورية بفاطمة الأزهرية وستيتة الطبلاوية، لتعلمانها علوم اللغة والقرآن، ثم انتقلت للحديث عن مقرئات القرآن، وأوضحت -وفق ما جاء في كتاب ألحان السماء لمحمود السعدني-، أن المقرئات في الأحياء الشعبية والقرى الريفية، كُنَّ يحترفن مهنة النياحة، ثم ينتقلن لقراءة القرآن، فأصبحن يقرأن القرآن عند النساء في المآتم والأفراح، كما تحدثت عن قراءة النساء للقرآن في الإذاعة، حتى مُنِعن من ذلك بسبب فتوى أصدرها الأزهر بحرمانية ذلك، فاعتزلن قراءة القرآن للعامة.
تناولت الكاتبة فيما بعد حياة عائشة التيمورية، واهتمام والدها بتعليمها ورفضها لتعلم الخياطة والتطريز، ثم زواجها وإنجابها وارتباطها بابنتها توحيدة، التي أحبت تلقي العلوم كوالدتها، كما أحبت تعلم الخياطة والتطريز، وتأثر التيمورية بوفاة ابنتها، ورثائها لها حتى لُقِّبت بخنساء العصر الحديث، ثم تحدثت عن الأديبة ملك حفني ناصف، أول فتاة تحصل على الابتدائية، وكتابتها للمقالات في العديد من الصحف، وتأثرها بوفاة عائشة التيمورية، ثم معاناتها في الزواج، ووصمها بالعقم، رغم أن زوجها هو الذي أُصيب بالعقم بعد إنجابه من زوجته الأولى، وكتبت ترفض تطليق الزوجة وتعدد الزوجات، لسوء استخدام الرجال لكلتا الرخصتين، ووفاتها بسبب الاكتئاب الذي عانت منه فترة زواجها، وإصابة والدها بالشلل ووفاته قهرًا على ابنته.
كما تحدثت عن الطبيبات الثلاث الأوائل، الاتي سافرن في بعثة دراسية إلى إنجلترا لدراسة الطب، وهن: هيلانا سيداروس، وكوكب حفني ناصف، وتوحيدة عبد الرحمن، وكان لكل منهن دورًا مهمًا في مجال طب النساء والتوليد، والجراحة، وسعت كوكب حفني ناصف وتوحيدة عبد الرحمن لحفظ حقوق الممرضات في العمل بعد الزواج والإنجاب، ثم انتقلت في حديثها إلى نبوية موسى أول ناظرة مدرسة، وعن الإسهامات التي قدمتها لمصر في التعليم، وعن نشاطاتها السياسية، التي دفعت الإنجليز لفصلها أو نقلها لمناصب مختلفة، كما تحدثت عن نازلي محند جاد المولى، أول طبيبة متخصصة في أمراض الباطنة، ومحاربتها لدراسة هذا التخصص، وعباسية فرغلي أول فتاة تقود سيارة، وعن شقيقها محمد أحمد فرغلي ملك القطن، ومعاناة الأسرة بسبب التأميم.
وتحدثت أيضا عن الأديبة الراحلة سهير القلماوي، وحلمها في دخول كلية الطب، وتغيير مسارها من طالبة في كلية الطب، إلى أستاذة جامعية في كلية اللغة العربية، وتأسيسها لمعرض الكتاب، كما تحدثت عن الإذاعية الشهيرة صفية المهندس، وبدايتها في الإذاعة، وعن زواجها من بابا شارو وتأثرها بوفاته.
إلى جانب حديثها عن لطفية النادي، أول طيارة مصرية، وعن إصابتها بالشلل لفترة، كما تحدت عن الباليرينا ماجدة صالح، التي ساهمت في إعادة بناء الأوبرا المصرية، والمعهد العالي للباليه.
لم تتوقف زينب عبد اللاه بالحديث عند هذه النقطة، فقد أبرزت إسهامات الرائدات المصريات، والصعوبات التي واجهنها، ونجاحهن في بيوتهن كما نجحن في سوق العمل.