سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 8 مارس 1832.. محمد على باشا يمنع المصريين من الحديث عن حصار ابنه إبراهيم لمدينة عكا ويضرب أعناق أربعة جزاء ثرثرتهم فى الموضوع ويعرض جثتين على الجمهور

الأحد، 08 مارس 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 8 مارس 1832.. محمد على باشا يمنع المصريين من الحديث عن حصار ابنه إبراهيم لمدينة عكا ويضرب أعناق أربعة جزاء ثرثرتهم فى الموضوع ويعرض جثتين على الجمهور محمد علي باشا

واصل إبراهيم باشا وجيشه حصار عكا منذ 26 نوفمبر 1831، وذلك أثناء قيادته لحملة والده محمد على باشا والتى بدأت فى 29 أكتوبر 1831 لإخضاع الشام له، وحسب الدكتور عبدالرحمن زكى فى كتابه «التاريخ الحربى لعصر محمد على الكبير»: «كان عدد الجيش المصرى النظامى حينما أعدت حملة الشام حوالى 70 ألفا، وأسطول من 23 سفينة حربية»، ويضيف: «اندفعت كتيبة صوب بيت المقدس فاحتلتها، كما تقدمت وحدات خفيفة أخرى واستولت على صور وصيدا وبيروت وطرابلس، أما عكا بحاكمها عبدالله باشا فلم يكن الاستيلاء عليها بالأمر اليسير، فهى التى وقفت صامدة أمام عبقرية نابليون بونابرت، وكانت محصنة بأسوار متينة وتحميها أبراج من الشرق والشمال، وكانت حامية المدينة مؤلفة من ثلاث آلاف مقاتل ومعهم مدفعية قوية وكميات وفيرة من المؤن والذخيرة والمياه والطعام تكفى لحصار طويل الأمد».


يؤكد زكى أن حصون عكا ومقاتليها لم تكن هى الصعوبة أمام إبراهيم باشا، بل أن خطة الباب العالى العثمانى كان لها أثرها، حيث كان يصب اللعنات على إبراهيم، ويسلط عليه سيلا من فتاوى شيخ الإسلام، وأعلن السلطان الحرب رسميا ضد محمد على فى 23 أبريل 1832، وأصدر فرمانا يجرد محمد على وإبراهيم ويبيح دمائهما.


كان محمد على يتابع من القاهرة الموقف فى عكا، ويذكر المؤرخ الإنجليزى «بيير كربتيس» فى كتابه «إبراهيم باشا»، ترجمة، محمد بدران، وصادر عام 1937: «مر الأسبوع تلو الأسبوع، وعكا مستعصية على الجيش المصرى، لا يستطيع أن ينال منها مثالا، وقلقت الأفكار فى القاهرة والإسكندرية، ولكن محمد على مطمئنا وموقنا بالفوز، ويقول على الدوام «ستستقيم الأمور بعد سقوط عكا»، لكن عكا لم تسقط، فأصدر الباشا فى 8 مارس، مثل هذا اليوم، 1832 أوامر مشددة تحرم إذاعة أنباء الحرب فى مصر».


يضيف «كربتيس»: «أرسل نائب القنصل الروسى فى القاهرة إلى رئيسه فى الإسكندرية يوم 30 مارس 1832 يبلغه أن أربعة من أهل المدينة ضربت أعناقهم جزاء ثرثرتهم، وأن عشرين من زملائهم زجوا فى السجون لينتظروا فيها ما قدر لهم من خير وشر، وعلقت على أجسام رجلين من هؤلاء الثرثارين أوراق كتب عليها «هذا جزاء الذين لا يستطيعون أن يمسكوا لسانهم»، وفى 7 أبريل 1832 عرضت على الجمهور جثتان أخريان كتب عليهما العبارة الآتية: «هذا هو العقاب الذى يحل بمن يقولون السوء عن الحكومة الخفية»، وبينما كان العقاب القاسى من نصيب هؤلاء الثرثارين داخل مصر، كان إبراهيم باشا يشرف يضع لمساته للمعركة الفاصلة للاستيلاء على عكا، ويذكر عبدالرحمن زكى أنه فى فجر 27 مايو 1832 عقب شروق الشمس أمر القائد العام بالهجوم على عكا، واستمر القتال طيلة اليوم، وفى المساء سقطت فى قبضة المصريين، وفيما يذكر زكى أن خسائر الجيش المصرى كانت 1429 مصابا و512 قتيلا، يذكر عبدالرحمن الرافعى فى كتاب «عصر محمد على»، أن الخسائر بلغت نحو أربعة آلاف وخمسمائة جنديا.


ويذكر «بيير كربتيس»، أنه لما وصلت أخبار هذه الانتصارات إلى القاهرة والإسكندرية ارتفع شأن إبراهيم، ووثق الناس فى قدرته وبسالته، انطلقت الألسن من عقالها، وأجيز للثرثارين أن يجهروا أو يخافتوا بأنباء الحرب، ويذكر «جلبرت سينويه» فى كتابه «الفرعون الأخير- محمد على»، ترجمة «عبدالسلام المودنى» وقائع درامية صاحبت انتصار إبراهيم، من بينها أنه بوصول الجيش المصرى إلى قلب المدينة، أصيب السكان بالإحباط ففرضوا على عبدالله باشا أن يلقى السلاح ويرسل إلى إبراهيم بعثة يطلب من خلالها الرحمة منه، ولف «عبدالله» منديلا حول رقبته علامة على الاستسلام، ولما همَ بالركوع بين يدى إبراهيم رفعه بسرعة، قائلا له: «لا ألومك على محاربتى لأننا سواء، خطأك الوحيد أنك ظننت أنك قادر على التجرؤ على محمد على».


ويضيف «سينويه» أنه بعد الاستسلام، أمضيا جزءا من الليل يتحادثان فى خيمة صيفية خارج المدينة على طرف قنطرة تخترق السهل، ولما أذن إبراهيم لعبدالله بأن يغادر المكان، قائلا: «ستنعم الليلة بنوم هادئ»، رد عبدالله بسرعة: «كما نمت دوما، لا تعاملنى كامرأة، فالطريقة التى دافعت بها عن نفسى تبرهن عكس ذلك، خطئى أنى وثقت بكلام الباب العالى (السلطان العثمانى)، إلا أنى أعلم الآن أن السلطان ليس بأشرف من بنات الليل، ولو أنى علمت ذلك قبل الآن لاتخذت تدابير أخرى، وأؤكد لك بأنى ما كنت لأكون بين يديك اليوم».


يؤكد «سيونيه» أن إبراهيم أرسل عبدالله برفقة نسائه وبعض أفراد عائلته على متن سفينة مصرية إلى الإسكندرية، ومما يحكى أنه قام بتقبيل طرف ثوب محمد على قائلا: «ليكن العفو الذى يأتينى منك عفو ملك وليس عفو وزير»، وفيما بعد سمح محمد على له بالانتقال مع عائلته إلى الحجاز، ومات فى المدينة المنورة عام 1842.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة