​ناهد صلاح تكتب: النص التانى.. الضحك له معنى

السبت، 07 مارس 2026 07:21 م
​ناهد صلاح تكتب: النص التانى.. الضحك له معنى ناهد صلاح

0:00 / 0:00

وأخيرا.. ​يأتي الجزء الثاني من مسلسل "النص التاني" في لحظة تبدو فيها الساحة الكوميدية مثقلة بمحاولات سريعة ومتعجلة للضحك، حتى صار الحديث عن "فراغ كوميدي" توصيفًا مقبولًا لمشهد يطغى عليه الاستسهال والتهريج أكثر مما تحكمه الرؤية أو الصنعة. في هذا السياق، يظهر المسلسل كأنه محاولة لاستعادة فكرة الكوميديا بوصفها فنًا للموقف والمفارقة، لا مجرد سلسلة من النكات الغليظة أو الإفيهات السريعة. فالكوميديا هنا لا تتعامل مع الضحك باعتباره هدفًا منفصلًا، بل باعتباره نتيجة طبيعية لأسئلة مقلقة يعيشها الإنسان في لحظات تاريخية مضطربة، أسئلة عن الهوية والنجاة والولاء، عن قدرة الفرد البسيط على المناورة داخل لعبة أكبر منه بكثير.

​لذلك تبدو الكوميديا في هذا الجزء كما لو أنها تبحث عن إجابات داخل القلق نفسه، لا خارجه، مستثمرة المفارقات التي يولدها الزمن التاريخي الذي تدور فيه الأحداث، أربعينيات القرن الماضي، حين كانت مصر إحدى ساحات الحرب العالمية الثانية، وحيث يجد "عبد العزيز النص" (الشخصية الرئيسية التي تعرفنا عليها في الجزء الأول، ويجسدها الفنان أحمد أمين، وهي مستوحاة من كتاب "مذكرات نشال" للباحث أيمن عثمان، عن نشال تائب في القرن الماضي يتحول لبطل شعبي يقاوم الاحتلال البريطاني، وسط شكوك حول حقيقية الشخصية أو كونها من وحي الخيال). يجد النص نفسه فجأة وسط لعبةاستخباراتية معقدة بين الإنجليز والألمان، في محاولة منه لتأمين حياةجديدة لابنه منصور.
​إن هذه الرحلة الدرامية تضعنا أمام رؤية نقدية أعمق تتعلق بـ "كسر تابو البطل الشعبي"، فالعمل يجرؤ على تقديم هذا البطل لا كفارس مغوار لا يشق له غبار، بل كإنسان "مرتبك" يمارس البطولة اضطراراً، وهو ما يمنح الكوميديا عمقاً واقعياً يكسر حدة المثالية التقليدية. الشخصية التي يقدمها أحمد أمين لا تعتمد على الضحك المباشر بقدر ما تعتمد على بناء موقف إنساني قابل لأن ينفجر بالكوميديا في لحظة غير متوقعة. لم يكن أحمد أمين دائمًا بارعًا في إثارة الضحك الصريح، وهذه ملاحظة لا تقلل من تجربته بقدر ما تفسر طبيعتها. فالممثل القادم من عالم الكتابة والبرامج الساخرة يبدو أكثر اهتمامًا بصناعة المزاج الكوميدي العام من اهتمامه بالضربة الكوميدية السريعة. ما يقدمه هنا هو تنويع أدائي واضح، محاولة للبحث عن مناطق جديدة داخل الشخصية، وإدخال طبقات مختلفة من الأداء تجمع بين الخفة والتردد والدهاء الشعبي. هذا التنويع لا يصنع الضحك وحده، لكنه يطوّر لغته الأدائية ويمنح الشخصية مساحة أوسع للتنفس داخل العمل.
​المشكلة في الحقيقة ليست عند الممثل بقدر ما هي في السياق كالأوسع للكوميديا المصرية، حيث يبدو غياب الكتّاب والمخرجين المتخصصين في هذا الفن أحد الأسباب الرئيسية لضعف التجارب الكوميدية المعاصرة. فالكوميديا العظيمة غالبًا ما تولد إما من نص إنساني عميق يجعل الضحك غطاءً لأسئلة أكبر، أو من كوميديا خالصة تمتلك جمالها الداخلي وإيقاعها الخاص. أما ما يسود اليوم في كثير من الأحيان فهو مزيج من التسطيح والاستسهال والتهريج، وهي عناصر تكاد تطغى على المشهد الفني المصري.
​في هذا السياق تحديدًا يمكن قراءة تجربة أحمد أمين بعيدًا عن التعبيرات النقدية الجاهزة التي اعتادت الصحافة استخدامها مثل "الكوميديا الهادفة" أو "الأعمال ذات الرسائل" أو "الفن النظيف". هذه العبارات، رغم شيوعها، كثيرًا ما تبدو مسيئة للفن نفسه وللعاملين الجادين فيه، لأنها تختزل العمل الإبداعي في وظيفة أخلاقية أو تعليمية. ما يميز أحمد أمين ليس أنه يقدم رسائل، بل أنه يحاول بناء مشروع شخصي يعتمد على التنويع والتجريب. تنويع في الموضوعات والشخصيات، في طبيعة التعاون مع كتّاب ومخرجين مختلفين، إنه ما يجعل كل تجربة بالنسبة إليه تدريبًا فعليًا على بلورة أسلوبه الخاص.
​ويظهر هنا ذكاء العمل في استخدام "النوستالجيا غير الباكية"، فبينما تلجأ معظم الأعمال التاريخية للبكاء على الأطلال، يستخدم المسلسل الحقبة التاريخية كمنصة "عبثية"، لا لتمجيد الماضي بل لرصد عبثية المصير الإنساني من خلال الفجوة بين "نشال" يبحث عن لقمة عيشه وبين صراع "إمبراطوريات" تخوض حرباً عالمية. هذا ما يظهر بوضوح في "النص التاني" حيث يعتمد الأداء على المفارقة والموقف أكثر من الإفيه المباشر، مؤكّدًا قدرته على تقديم لون من الكوميديا الهادئة والذكية وسط مشهد يعاني من فراغٍ كوميدي واضح.
​بينما يحضر حمزة العيلي بخفة وإيقاع سريع، إذ يشكل مع أحمد أمين أحد أعمدة التوازن الكوميدي في العمل، ويقدّم ميشيل ميلاد طبقة مختلفة من الكوميديا التي تنبع من الشخصية، في حين يصنع صدقي صخر وأسماء أبو اليزيد ثنائية تمزج بين الخفة والدفء الإنساني، بينما تضيف دنيا سامي حضورًا كوميديًا خاصًا يقوم على الإيقاع الحركي وخفة الظل، هذا ما يفعله كذلك عبدالرحمن محمد بحضوره الذي يعزز المسلسل بخفةً وحيوية، مع أداء يعتمد على التلقائية ومفارقات الموقف داخل الإيقاع الكوميدي للعمل الذي يتميز بفريق كبير من الممثلين الذين يسهمون في إغناء المشاهد بالمفارقات الصغيرة والحركة الديناميكية التي تدعم الإيقاع الكوميدي. هذا التناغم لا يمكن فصله عن رؤية الإخراج التي يقدمها حسام علي للحلقات التي كتبها عبد الرحمن جاويش وأبرز فيها كوميديا منسوجة داخل الموقف الدرامي نفسه، حيث تتولد المفارقة من تداخل التاريخي باليومي ومن ارتباك الشخصيات أمام تحولات زمن مضطرب.
​هنا يصنع حسام علي إيقاعًا بصريًا مرنًا يحافظ على خفة الكوميديا، مع عناية واضحة بالأجواء الزمنية، بما يشكل جزءًا أساسيًا من روح المسلسل، خصوصًا مع الدقة الواضحة بإعادة بناء الحقبة التاريخية، من الملابس والديكور إلى الإيقاع البصري العام. هذا الإطار الزمني ليس مجرد خلفية شكلية، بل عنصر درامي يخلق مفارقات كثيرة: رجل كان نشالًا صغيرًا يجد نفسه فجأة لاعبًا في لعبة دولية بين قوى عظمى، وكوميديا تولد من الفجوة بين بساطة الشخصية وتعقيد العالم الذي يحيط بها.
​هكذا يتحول الجزء الثاني من مسلسل "النص" إلى تجربة كوميدية تحاول أن تستعيد معنى الضحك في زمن يفتقر إليه، متحديةً بذلك "مطرقة التوثيق وسندان الفانتازيا"، ومراهنةً على ذكاء المشاهد في عصر "التريند" السريع. ليست الكوميديا هنا مجرد وسيلة للهروب من الواقع، بل طريقة للنظر إليه بزاوية أكثر خفة وذكاء. إنها كوميديا الموقف والمفارقة، الكوميديا التي تولد من ارتباك الإنسان أمام التاريخ، من محاولته البسيطة للنجاة داخله. وربما في هذا تحديدًا يكمن رهان العمل: أن يعيد تذكير المشاهد بأن الضحك الحقيقي لا يصنعه الإفيه، بل تصنعه الحياة نفسها عندما تُروى بذكاء.
​إن رهان أحمد أمين في هذا العمل لم يكن على "الإفيه"، بل كان رهانًا على العقل والوجدان، وهو ما يجعله اليوم الرقم الأصعب في معادلة الكوميديا الذكية والراقية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة