إنَّ المتأمِّلَ فى واقعِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ اليومَ ليجدُها تتعرَّضُ لأعظمِ التحدِّياتِ والمؤامراتِ التى تُهدِّدُ كيانَها وتُضعِفُ مكانتَها بين الأممِ. وقد أثبتتِ التجاربُ المتكرِّرةُ عبر التاريخِ أنَّ تفرُّقَ المسلمينَ وتشتُّتَ صفوفِهم كان دائمًا أعظمَ سببٍ لضعفِهم واستقواءِ أعدائِهم عليهم، بينما كانت وحدتُهم دائمًا مصدرَ قوَّتِهم وعزَّتِهم ورفعتِهم.
إنَّ الإسلامَ فى جوهرِه دينُ الوحدةِ؛ إذ جعلَ المسلمينَ إخوةً فى العقيدةِ والهدفِ والمصيرِ، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وبيَّنَ النبيُّ ﷺ ذلك فى قولِه: «المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ يشدُّ بعضُه بعضًا»، فكانت هذه الأخوَّةُ هى الحصنَ المنيعَ الذى يحمى الأمَّةَ من التفرُّقِ والتمزُّقِ.
وفى هذا العصرِ خاصَّةً، ومع ما تشهدُه الأمَّةُ من حروبٍ ونزاعاتٍ وأزماتٍ سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ وفكريَّةٍ، تزدادُ الحاجةُ إلى تفعيلِ معنى الوحدةِ والأخوَّةِ فى نفوسِ المسلمينَ قادةً وشعوبًا. فما من أمَّةٍ تفرَّقت شيعًا وأحزابًا إلَّا استضعفَها عدوُّها ونهبَ ثرواتِها، وما من أمَّةٍ اجتمعت كلمتُها إلَّا صانت نفسَها ومقدَّساتِها وصنعت مجدَها بيدِها.
وإنَّ من أعظمِ النِّعَمِ التى منَّ اللهُ تعالى بها على الأمَّةِ الإسلاميَّةِ شهرُ رمضانَ المباركُ؛ حيث لا يوجدُ شيءٌ يُوحِّدُها فى ظلِّ ما تعيشُه من نكباتٍ وويلاتٍ، وفرقةٍ وشتاتٍ، وتسلُّطٍ للأعداءِ مثلُ هذا الشهرِ الكريمِ. فهو لا يقتصرُ على كونِه عبادةً روحيَّةً تهدفُ إلى تقوى اللهِ فحسبُ، بل يُسهِمُ فى تعزيزِ الإخوَّةِ الإسلاميَّةِ وتقويةِ وحدتِها وروابطِها الاجتماعيَّةِ؛ يصومُه المسلمونَ حولَ العالمِ فى وقتٍ واحدٍ، إلهُهم واحدٌ، وقرآنُهم واحدٌ، ونبيُّهم واحدٌ، ويتَّبعونَ نفسَ القيمِ والمبادئِ، ممَّا يُعزِّزُ الشعورَ بالانتماءِ إلى أمَّةٍ واحدةٍ، أمَّةٌ مركزيَّةٌ ذاتُ رسالةٍ عالميَّةٍ بما تحمله من قيمٍ عقديَّةٍ وأخلاقيَّةٍ، جعلتْها ملتقى كلِّ الأجناسِ والأعراقِ واللغاتِ، تجمعُهم فى بوتقةٍ واحدةٍ، يشدُّ بعضُهم بعضًا، فتربطُ بين أواصرِهم حتى يُصبحوا كالجسدِ الواحدِ، كما أخبرَ ﷺ فى قولِه: «مثلُ المؤمنينَ فى توادِّهم وتراحمِهم وتعاطفِهم مثلُ الجسدِ الواحدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحُمَّى».
ولأنَّ رمضانَ شهرُ المغفرةِ والتسامحِ، فهو فرصةٌ عظيمةٌ لنبذِ الخلافاتِ وإصلاحِ العلاقاتِ والتصالحِ مع الآخرينَ؛ حيث يُحثُّ المسلمينَ على ضبطِ النفسِ والابتعادِ عن الغضبِ والجدالِ، ممَّا يُقلِّلُ من النزاعاتِ والخلافاتِ، ويُسهِمُ فى توحيدِ الأمَّةِ وتعزيزِ الإخوَّةِ بين أفرادِها.
كما أنَّ رمضانَ يُشجِّعُ على الإحساسِ بمعاناةِ الفقراءِ والمحتاجينَ، ممَّا يدفعُ المسلمينَ إلى الإكثارِ من الإحسانِ والصدقاتِ، ويتسابقُ الناسُ فيه إلى مساعدةِ بعضِهم بعضًا، ممَّا يُقوِّى روحَ التعاونِ والتكافلِ بينهم.
وختامًا، إنَّ رمضانَ فرصةٌ سنويَّةٌ لتجديدِ عهدِ الأُخوَّةِ، وترميمِ ما تصدَّع من جسورِ المودَّةِ، وبناءِ مجتمعٍ تسودُه الرحمةُ ويُظلِّلُه التعاونُ، فلنعملْ جميعًا على تعزيزِ الإخوَّةِ والوحدةِ فى القلوبِ والسلوكِ، ولنجعلْ من اختلافاتِنا مصدرَ قوةٍ وتكاملٍ لا مصدرَ صراعٍ وعداءٍ، حتى تعودَ لأمَّتِنا هيبتُها، وتستعيدَ مكانتَها بين الأممِ، وتؤدِّيَ رسالتَها الخالدةَ فى نشرِ الخيرِ والعدلِ والسلامِ.