عصام محمد عبد القادر

رمضان.. قيمة الإحسان

السبت، 07 مارس 2026 06:01 ص


أسمى غايات التمني، وأجلّ مآرب النفس أن نترفق بذواتنا؛ إحسانًا، وتزكيةً، فلا نوردها موارد العطب، أو الهلاك، أو نعرضها لما يضيرها من سفه القول، وسيئ العمل، وخبث الطوية، وأن نحسن مع الآخرين ببذل صنوف المعروف لهم، وكفّ الأذى عنهم بجميل الصبر، وكريم المواساة، وأن نحسن العبادة لله- تعالى- حق الإحسان؛ فنخلص النوايا في طاعته، ونستجلب مسببات الصدق، والإخلاص في توحيده، والرضا بمرّ قضائه، وحلو قدره، وهذا المسلك في جملته يعبر عن اتصاف قيمي نبيل، نتبوأ به مقام الإتقان الرفيع، وندنو من خلاله إلى جوار الرحمن، وقربه، فلا تدركنا شقوة في عاجل الدنيا، ونرفل في النعيم المقيم في دار البقاء.

شهر رمضان المبارك يورّث في النفس إحسانًا، وتزكيةً سابغةً، فلا مجال فيه للإساءة، ولا مستقر فيه للكره، ولا منزع في القلب للبغضاء، ولا حيز في الروح للشحناء؛ حيث يغدو الإخلاص سيد الموقف، وتاج العمل، ويصبح القرب من الآخرين من أبينِ شعائر المحبة، وأسمى آيات المودة؛ فتشرق صور التكافل معبرةً عن فيض البر، وبذل العطاء، وسخاء الكرم، وهذا جميل الفعل ممارسةً، وعظيم القول نطقاً، وخالص النية طويةً، مما يشكل شروط حسن السريرة، ومهاد الطريق إلى بلوغ باب الرضا من الله -تعالى-، فما أجملها! من أيام طيبة مباركة، تحمل في نفحاتها معنى عميقاً، يؤكد على أنَّ من أحسن في إيمانه، وتفانى في صالح عمله فإنما جزاؤه من خالق السماء بلا عمد، إحسانٌ، أعظمُ منه قدراً، وأتمُّ منه فضلًا، وأجزلُ منه كرمًا.
سموُّ قيمة الإحسان في شهر الغفران، ومظانّ الرضوان يعظم من شأن مراقبة الذات، ويصقل مكنون الأنفس، وتزكى به مكامن الروح، ومستودع السر، ويؤكد على صدق حسن الطاعة، وجميل الإنابة، ومحض الاستقامة، ويشعر الوجدان بفيض السعادة الغامرة، وبث البهجة الظاهرة، ويزيد من رسوخ حسن التوكل، وتمام صدق اليقين، وعظيم التمكين، وتغدو القلوب بفضله مقبلة على العبادة في سابغ سكينة، وهدوء طمأنينة، دون وجل يرهقها، أو نصب يثقلها، وتتضاعف به رغبة التنافس المحمود، والمسارعة نحو استباق الخيرات بين أولي النهى، ممن يعشقون فعل ما يدخل على الأفئدة مسرّات الفرح الغامر، ويؤلف بين شتات أطياف البشر في وئام متصل، وتآلف جامع؛ فتغدو الحياةُ مفعمةً بتباشيرِ الأملِ المشرق، ومشعلاً للخيرِ الدائمِ، والبرِّ المتصل.
مظهر الإحسان في ردهات حياتنا بكل تفاصيلها الدقيقة، وشؤونها المتشعبة العميقة يتبدى في كمال مراقبة المرء لربه- عزوجل-، وفي ذروة استحضار نظره الثاقب إليه عند اشتداد غمرات الفتنة، وعنفها المتلاطم، وتفاقم كؤود التحديات، وتعاظمها الجسيم، وزيادة عثرات الصعوبات، وتراكمها، وتواتر كواهل الهموم، وتتابعها المضني، فعندما نهجر غواية الشهوة هجرا صادقا، حاسما، وننبذها نبذا باتا، ونستحضر في السويداء عظيم إحسان ربنا إلينا، استحضار عرفان جليل، وامتنان نبيل؛ فنستحي بملء قلوبنا أن نقابله بمعصية مخجلة، أو جحود ناكر، حينها يصبح عفوه، وترفعه في سكون الخلوة، ومطبق الصمت، ومستور الخفاء، برهان صدق إحسانه البالغ، ودليل صفاء سريرته النقية، وعنوان ثباته الراسخ على صراط طريق الهدى، ومعالم الرشاد.
ما أبهى!، وأجمل، وأجلَّ، وأكمل صورة الإحسان البديعة الرائعة، التي تتبدّى جليّةً، وتتجلّى بهيّةً في مراقبة الله-عزوجل-، ومحاسبة النفس، وحسن الظن به؛ فهي الضياء، الذي يسطع حتى في أعقد، وأشد المواقف، وأصعبها كربةً ومشقّة، حيث يُفتن المرء، ويختبر صبابة نفسه، وصدق نزوعها، ويُسبر فيها مكنون قلبه، ومستور غيبه؛ ليظهر صفاء فؤاده، وخلوص نيته، والاختبار الحقيقي، والتمحيص الجليّ يكمن في تلك الأيام المعدودات المعدودة، واللحظات قصيرة المدى، سريعة الانقضاء، التي يهرع فيها المرء سعياً حثيثاً؛ لنيل أقصى التمني، ومنتهى الرجاء، بلوغاً إلى زلفى عتبات باب العفو، والغفران الرحيم الواسع، ويكون ذلك المجد متمثلاً في ضبط النفس ضبطاً كاملاً تاماً، وبزمامٍ محكمٍ، وثيق، يكبح جماح الهوى، وفي إتقان العمل الأخلاقي إتقاناً، متقناً، مجوّداً، وإحكاماً راسخاً، يبلغ حد الكمال، مع امتثال قلب المؤمن لمنهاج الحق، وقبوله السامي، رغماً عن إغراء الظروف القاسية، وتدافع الخطوب، وتتابع التجارب، ومرير اختباراتها الممحصة للنفوس؛ فاللهم اجعلنا من المحسنين، وارزقنا إحسان القلب، وصلاح العمل، ورضوانك، واغفر لنا، ولأمواتنا، وأسكنهم الفردوس الأعلى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة