تمر اليوم الذكرى الـ752 على رحيل توما الأكويني، في 7 مارس 1274م، وهو قسيس وقديس كاثوليكي من الرهبانية الدومينيكانية، وفيلسوف ولاهوتي مؤثر ضمن التقليد المدرسي للفلسفة، ويُعرف بـ العالم الملائكي وأحد معلمي الكنيسة الثلاثة والثلاثين.
تميز القديس توما الأكويني بتواضعه البالغ، إذ كان بعيدًا عن التكلف والبحث عن المناصب أو الألقاب. وقد رعى ترجمة العهد الجديد إلى اللغات المحلية لتسهيل التبشير، كما حرص على نشر تعاليمه للعامة. وعندما رفض الخضوع للنظام الكنسي واعتبر أن واجبه هو طاعة الله قبل البشر، تعرض للحرمان مع جماعته من قبل البابا، ما دفعه إلى اللجوء مع رفقائه إلى جبال الألب في مناطق ساڤوا وبييدمونت ولانجدوك، حيث اشتهروا بالتواضع والعمل المستقيم والعفة والمحبة.
بحسب كتاب «تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط»، تميز توما الأكويني بجرأته على التمرد الفكري، حيث اعترض على بعض المواقف التقليدية المتبعة من أوغسطين إلى بونافنتورا، وفتح الباب أمام فصل الفلسفة عن اللاهوت مع الحفاظ على العلاقة بينهما. هذا التوفيق منح الفلسفة استقلالها بمبادئها ومنهجها، وأثار معارضة بعض المعاصرين في باريس وأكسفورد، بما في ذلك الفرنسيسكيون وأنصار التقاليد وأعضاء رهبنته الذين تربوا على المذهب الأوغسطيني.
تشير دراسة الدكتور سامح كريم في كتابه «موسوعة أعلام المجددين في الإسلام» إلى أن توما الأكويني اتبع نظرية الفيلسوف الإسلامي ابن رشد في التوفيق بين الفلسفة والدين، فكان يحل المشكلات القائمة بين العقل واللاهوت، وسلك نهجًا رشديًا معتدلاً سرًا، بينما هاجمه علنًا لمواكبة السلطات الدينية في عصره.
ويرى الباحث لآسين بلاسيوس أن توما يمكن اعتباره “تلميذًا” لابن رشد في المنهج وطريقة التأليف، رغم أنه كان من أشد خصومه على المستوى الظاهر، ويعود التأثير بطريقتين: "غير مباشر" إذ أخذ توما طريقة التوفيق عن ابن ميمون، الذي كان تلميذًا لابن رشد، و"مباشر" حيث اطلع على نظرية ابن رشد بعد ترجمتها عن العربية على يد زميله في طائفة الدومينيكان، القديس ريموند مارتان.
رغم معارضة بعض المعاصرين، لاقت تعاليم توما الأكويني اعترافًا رسميًا لاحقًا من الكنيسة، إذ أيد البابا تعاليمه من وقت وفاته، وأعلن البابا في 1318 أن مذهبه يمثل "معجزة من المعجزات"، وأنه يفيض على الكنيسة من النور أكثر من سائر الأساتذة مجتمعين، ثم أُعلن قديسًا في 1323، وتوالت الرسائل البابوية في امتداح مذهبه والحض على الاستمساك به.