يظن الإنسان أن كثيرًا مما يمر به يضيع في صمت العالم، كلمة قالها ولم يسمعها أحد، دعاء همس به في قلب الليل، أو عمل صغير لم يلتفت إليه الناس، لكن الإيمان باسمي الله "السميع" و"البصير" يبدل هذا الشعور تمامًا، فليس في هذا الكون صوت يضيع ولا حركة تخفى، لأن الله يسمع كل ما يقال، ويرى كل ما يفعل، ويحيط علمه بما ظهر وما خفي.
اسما الله السميع البصير وردا معًا في القرآن الكريم بمواضع كثيرة منها قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا" (النساء: 58)، وقوله سبحانه "وَاللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" (الحج: 61)، كما وردا في سياقات متعددة تؤكد إحاطة الله بأقوال العباد وأفعالهم، وأنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
اسما الله السميع البصير في اللغة، يدور معنى السميع في اللغة حول السمع والإدراك للصوت، يقول ابن منظور في لسان العرب: السمع هو إدراك الأصوات، والسميع هو الذي لا يخفى عليه صوت، أما البصير فيدور معناه حول الإبصار والرؤية، ويقال بَصُر بالشيء إذا رآه وعرفه. والبصير هو الذي يرى الأشياء على حقيقتها ولا يخفى عليه شيء منها.
اسما الله السميع البصير في كتب التفسير، يذكر الطبري في تفسير قوله تعالى: "إن الله كان سميعًا بصيرًا" أن الله يسمع أقوال عباده جميعًا، ويرى أعمالهم كلها، ولا يخفى عليه شيء منها، ويقول ابن كثير إن الله سميع لكل الأصوات مهما خفيت، بصير بكل الأفعال مهما دقت، أما القرطبي فيشير إلى أن اجتماع الاسمين في القرآن يدل على كمال الإحاطة، فالله يسمع الأقوال ويرى الأفعال، فلا يضيع قول ولا يخفى عمل.
اسما الله السميع البصير في كتب العقيدة، تقرر كتب العقيدة أن السمع والبصر صفتان ثابتتان لله تعالى، تليقان بجلاله، يسمع بهما جميع الأصوات ويرى بهما جميع الموجودات، من غير تشبيه بسمع المخلوقين ولا بصرهم، ويذكر الإمام الغزالي في المقصد الأسنى أن السميع هو الذي لا يعزب عن سمعه صوت، والبصير هو الذي لا يغيب عن رؤيته شيء، سواء كان ظاهرًا أو خفيًا.
وعليه فإن الإيمان بأن الله السميع البصير يجعل الإنسان أكثر وعيًا بنفسه، فالكلمة التي يقولها ليست ضائعة، والعمل الذي يفعله ليس مهملًا، والنية التي يخفيها ليست مجهولة، وهذا المعنى لا يورث الخوف وحده، بل يورث الطمأنينة أيضًا، لأن الإنسان حين يشعر أن الله يسمع دعاءه ويرى ضعفه، يعرف أن ما يمر به ليس غائبًا عن علم الله.
فالله السميع الذي يسمع الهمس قبل الصوت، والبصير الذي يرى العمل قبل أن يراه الناس، وبين هذين الاسمين يعيش الإنسان مطمئنًّا، لا يضيع خير فعله، ولا يخفى ألم مر به، لأن الله يسمع ويرى.