محمد الطماوى

أصحاب الأرض.. قوة الفن ورسالة وطن شكرا المتحدة

السبت، 07 مارس 2026 12:14 ص


في موسم درامي مزدحم بالأعمال المتنوعة، جاء مسلسل أصحاب الأرض ليحتل مكانة خاصة في وجدان المشاهد العربي، ليس فقط لتميزه الفني، ولكن لجرأته الواعية في تناول واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدا في المنطقة، وهي القضية الفلسطينية وما يرتبط بها من صراع ومعاناة إنسانية مستمرة، لقد استطاع العمل أن يقدم نموذجا دراميا ناضجا، يجمع بين الإحساس الفني العميق والطرح الدبلوماسي المتزن، بعيدًا عن الانفعال أو الشعارات المباشرة.

بدا واضحا أن المسلسل لا يسعى إلى إثارة عاطفية عابرة، بل إلى بناء سرد إنساني متكامل، استطاع العمل أن يسلط الضوء على التهجير، والمعاناة اليومية تحت الاحتلال، والقصص الإنسانية المؤثرة التي غالبا ما تختزل في عناوين الأخبار، وهنا تكمن قوة الدراما، فهي لا تكتفي بنقل الحدث، بل تجسده، وتمنحه روحا وملامح وأسماء.

لقد وجع المسلسل إسرائيل، لا بمعنى المواجهة العسكرية بطبيعة الحال، ولكن على مستوى الصورة والرواية والإعلام، فبينما تركز الرواية الإسرائيلية في الإعلام الدولي على تقديم نفسها كطرف يدافع عن نفسه، جاء أصحاب الأرض ليعيد تسليط الضوء على الرواية الفلسطينية من منظور إنساني، يصل إلى جمهور عربي دولي واسع عبر المنصات الرقمية، هذا التحول في زاوية السرد يمثل تأثيرا ناعما لكنه عميق، لأن معركة الصورة في عصر الإعلام الحديث لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.

كما أن تأثير العمل لم يقتصر على الجانب الإعلامي، بل امتد إلى تشكيل الرأي العام، فالأعمال الدرامية بطبيعتها أكثر رسوخا من الأخبار العاجلة؛ لأنها تخاطب المشاعر، وتبني تعاطفا طويل الأمد مع الشخصيات، وتغرس أفكارا تبقى في الذاكرة، وعندما يشاهد الملايين قصة إنسانية مكتملة التفاصيل، فإنهم لا يتابعون حدثا فحسب، بل يعيشونه، ويتفاعلون معه، ويعيدون التفكير في مواقفهم.

ومن اللافت أيضًا أن المسلسل أثار جدلا سياسيا وإعلاميا قبل عرضه وبعده، بما في ذلك ردود فعل من وسائل إعلام إسرائيلية اعتبرت أن العمل يقدم رواية مختلفة، غير أن هذا الجدل في حد ذاته يعكس أهمية العمل وتأثيره، فالأعمال التي لا تمس نقاطا حساسة لا تثير كل هذا النقاش، وهنا يتأكد أن أصحاب الأرض لم يكن مجرد عمل درامي عابر، بل مشروعا فنيا يحمل رؤية ورسالة.

ولا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون توجيه الشكر والتقدير إلى الشركة المتحدة، التي قدمت نموذجا يحتذى به في الإنتاج الدرامي المسؤول، لقد أثبتت الشركة أن الفن يمكن أن يكون دبلوماسيا دون أن يفقد قوته، إن دعم مثل هذه الأعمال يعكس إدراكا عميقا لدور الدراما في تشكيل الوعي الجمعي، وتعزيز قيم الحوار، وتسليط الضوء على معاناة الشعوب بطريقة محترفة.

وفي سياق الأحداث التي يتناولها المسلسل، يبرز أيضا الحديث عن مجلس السلام الدولي، الذي أُعلن عنه كإطار دولي للإشراف على جهود السلام وإعادة إعمار غزة بعد الحرب، وقد عقد المجلس اجتماعه الأول بمشاركة عشرات الدول، وجمع تعهدات مالية تقدر بحوالي 17 مليار دولار، في محاولة لدعم الاستقرار وإعادة بناء ما دمرته الحرب. ورغم أن هذه المبالغ ما تزال في إطار التعهدات، فإنها تعكس إدراكًا دوليًا لحجم الكارثة الإنسانية والحاجة إلى تدخل منظم.

إعادة إعمار غزة ليست مجرد مشروع هندسي، بل عملية سياسية وإنسانية معقدة تتطلب تنسيقا بين أطراف متعددة، وضمانات أمنية، وإدارة شفافة للتمويل، واحتراما لحقوق السكان، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تكلفة إعادة البناء قد تتجاوز 70 مليار دولار، ما يجعل الطريق طويلا وشاقا، ومن هنا تتقاطع الدراما مع الواقع؛ فالمسلسل لا يكتفي بعرض الألم، بل يضع المشاهد أمام مسؤولية التفكير في المستقبل، وفي آليات السلام والإعمار.

تستحق مصر كل التقدير والامتنان على ما تبذله من جهود متواصلة في سبيل حماية أمنها القومي ودعم الاستقرار في المنطقة، وفي مقدمة ذلك ما تتحمله من مسؤوليات جسيمة في محيط إقليمي شديد التعقيد، لقد حملت القيادة المصرية، برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعباء ثقيلة في ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد، وسعت إلى التعامل معها برؤية تقوم على الحفاظ على الدولة وصون مقدراتها وتعزيز دورها الإقليمي، كما يظل الجيش المصري درع الوطن وسنده، حاميا للحدود، ساهرا على أمن مصر واستقرارها، يؤدي واجبه الوطني بإخلاص وتضحية، إن هذه الجهود مجتمعة تعكس حرص الدولة المصرية على التوازن بين حماية مصالحها الوطنية والمساهمة في دعم الاستقرار والسلام في محيطها العربي.

إن أصحاب الأرض يمثل نموذجا لما يمكن أن تفعله الدراما عندما تتحرر من السطحية، وتختار أن تكون صوتا إنسانيا عاقلا، إنه عمل يؤكد أن الفن ليس ترفا، بل قوة ناعمة قادرة على التأثير في الوعي، وتحريك النقاش، وتعزيز التضامن، ولهذا يستحق فريق العمل، وفي مقدمتهم الشركة المتحدة، كل الإشادة والتقدير على هذا الجهد الدبلوماسي والفني الرفيع.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدراما أن تغير العالم؟ ربما لا تغيره وحدها، لكنها بالتأكيد تغير طريقة رؤيتنا له، وأصحاب الأرض نجح في أن يجعل ملايين المشاهدين ينظرون إلى القضية بعيون أكثر إنسانية ووعيا وذلك في حد ذاته إنجاز كبير.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة