أكد الشيخ إسلام النواوي، من علماء وزارة الأوقاف، أن الالتزام الديني لا يعني بأي حال من الأحوال إهمال عمارة الدنيا أو الانعزال عن الحياة، مشدداً على أن "المؤمن الملتزم" هو من يتخذ من الدنيا طريقاً ممهداً للآخرة، رافضاً فكرة أن يكون التدين مرادفاً للموت المعنوي أو العبوس.
وأوضح النواوي خلال لقائه ببرنامج "صحح مفاهيمك" المذاع على قناة اكسترا نيوز، فلسفة الإسلام في "عمارة الأرض" وفنون التعامل الإنساني والأسري، مستشهدًا بمواقف من حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
فلسفة الأمل.. "اغرس الفسيلة" حتى لو قامت القيامة
واستشهد النواوي بالحديث النبوي الشريف: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"، وعلق قائلًا إن النبي يعلمنا هنا "فلسفة الحياة"، فالفسيلة (النخلة الصغيرة) تحتاج سنوات لتطرح ثمارها، ومع ذلك أمر النبي بغرسها حتى لو كانت الساعة تقوم والزمن ينتهي، وذلك لترسيخ مبدأ العمل والأمل وعدم اليأس حتى اللحظة الأخيرة.
وتطرق الشيخ إسلام النواوي إلى الجانب الإنساني والأسري في حياة النبي، واصفًا إياه بـ "فن الحياة"، وروى موقف السيدة عائشة ورسول الله أثناء مشاهدة الأحباش يلعبون بالحراب في المسجد يوم العيد، وكيف وضع النبي يده على الباب وأسندت السيدة عائشة خدها على كتفه الشريف.
وأشار النواوي إلى دقة المشهد الذي يجمع بين الترفيه (الذي وصفه بالعرض المسرحي الرياضي) وبين المودة والرحمة، حيث كان النبي يسألها "أشبعتِ؟" فتقول "لا" لتستمتع بقربها منه، واصفًا ذلك بأنه قمة التدليل والرقي في التعامل الزوجي.
كما استشهد بسباق النبي مع السيدة عائشة، وكيف سابقها فسبقته وهي شابة، ثم سابقها لاحقًا فسبقها وقال "هذه بتلك"، معتبرًا أن هذا السلوك النبوي دعوة لتجديد الحياة الزوجية وكسر الملل، أو ما يسمى بلغة العصر "تحديث العلاقة" (Update).
الابتسامة عبادة.. والتدين ليس "عبوسًا"
وانتقد النواوي بشدة الصورة الذهنية المغلوطة التي تربط التدين بالتجهم والوجه العبوس، قائلًا: "من ينكر أن ما فعله النبي تدين؟ التدين ليس عبوسًا في الوجه، بل لدينا عبادة اسمها التبسم". وأكد أن الدين الذي يأمرنا بالبسمة والكلمة الطيبة لا يمكن أن يأمرنا بالموت ونحن أحياء.
العزلة والمسؤولية.. عمارة الكون هي الغاية
وفي ختام حديثه، أوضح النواوي الفرق بين الخلوة المحمودة والهروب من المسؤولية. فبينما كان النبي يختلي بربه في غار حراء، كان قلبه معلقًا بمكة وبرعيته، مشيرًا إلى أن المسؤولية تجاه الأهل والمجتمع لا تسقط بالتدين.
واختتم الشيخ إسلام النواوي حديثه بتصحيح مفهوم محاسبة النفس، مؤكدًا أننا سنحاسب في الآخرة على "ما عشناه" وكيف عمرنا الأرض، وليس فقط على لحظة الموت، مستشهدًا بالآية الكريمة: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، مؤكداً أن الشهادة الحقيقية لها درجات، وأن المرأة التي تموت وهي تلد أو العامل الذي يموت وهو يسعى، هم في حكم الشهداء لأنهم كانوا في سياق عمارة الحياة.