دينا عبد العليم تكتب: صحاب الأرض لم تنته المشاهدة لن ينتهى الأثر.. حالة ارتباط بين أبطال المسلسل والمشاهدين حوّلت تأثيره لعدوى إنسانية طويلة المدى

الجمعة، 06 مارس 2026 11:17 م
دينا عبد العليم تكتب: صحاب الأرض لم تنته المشاهدة لن ينتهى الأثر.. حالة ارتباط بين أبطال المسلسل والمشاهدين حوّلت تأثيره لعدوى إنسانية طويلة المدى دينا عبد العليم تكتب عن صحاب الأرض

لم يتوقف القصف.. لن تتوقف الحياة. بهذه العبارة التى ظهرت مكتوبة على الشاشة فى المشهد الأخير من مسلسل «صحاب الأرض» أسدل الستار على حلقات العمل الذى عُرض فى النصف الأول من الموسم الرمضانى الحالى. عبارة قصيرة، لكنها لم تكن مجرد جملة ختامية، بل كانت خلاصة حالة كاملة صنعها المسلسل منذ لحظته الأولى. فهى لا تقول الحقيقة فقط، بل تترك أثرها فى القلب، وكأنها تمتد لما بعد الشاشة. ولهذا خرجتُ من التجربة بجملة أخرى استلهمتها منها: لم تنتهِ المشاهدة.. ولن ينتهى الأثر.

ولو سألنى أحد ببساطة: «هتتفرجى على إيه فى النص التانى من رمضان؟» ستكون الإجابة دون تردد: صحاب الأرض.. مرة أخرى، ثم تأتى بعده بقية المسلسلات. ليس فقط لأن العمل متقن على مستوى الكتابة والإخراج والتمثيل وكل العناصر الفنية، بل لأن المسلسل ترك شيئًا فى الداخل لا يمر بسهولة، وخلق حالة ارتباط حقيقية مع شخصياته، حتى بدت وكأنها جزء من حياتنا.

اشتقت إلى يونس الصغير، وإلى الدكتورة سلمى، وناصر، وفدوى، ونضال، وسمير، وأبو على. اشتقت إلى الحالة نفسها، إلى الحوار الصادق الذى يشبه الناس، وإلى الموسيقى التصويرية التى كانت تسبق الدموع أحيانًا، وإلى أغنية التتر التى أصبحت كأنها مفتاح للدخول إلى هذا العالم.

كثير من المشاهد فى المسلسل كانت أقوى من الطائرات والدبابات، وأبلغ من كل أسلحة الدمار التى يمتلكها الكيان الصهيونى. كانت مشاهد بسيطة فى ظاهرها، لكنها تحمل من الصدق ما يجعلها تصيب القلب مباشرة.

مشهد طائرة المساعدات المصرية وهى تلقى المساعدات من المروحية، بينما ينظر ناصر إلى سلمى مبتسمًا ويقول لها: «خير.. بتعرفى تجرى؟»، بينما يجرى الناس على طول الساحل ليلحقوا ببطانية أو علبة طعام سقطت من السماء. مشهد بسيط، لكنه كان كافيًا لأن تنفجر الدموع.

ومشهد ناصر حين جلس فجأة على أرض المستشفى، فسألته سلمى لماذا يبكى، ليقول بهدوء موجع: «بيت خوى كله راح فى القصف… استشهدوا، وملحقتش أبكى عليهم وقتها». لحظة صادقة تكفى وحدها لتكسر القلب.

ومشهد سلمى حين انهارت باكية بعد موت فدوى، بينما يحاول ناصر أن يتمسك بما تبقى من قوة قائلاً: «معندناش رفاهية الانهيار». جملة تختصر قسوة الواقع كله.

ومشهد الأطفال المصابين فى المستشفى، حين جلست سلمى بينهم تحاول أن تمنحهم أملاً صغيرًا، وتحدثهم عن مدينة سيبنونها معًا. مدينة أسموها بعفوية «مدينة البطاطا»، واتفقوا أن تكون بلا أدوار عالية حتى لا يصلها القصف. كان الحوار بسيطًا، لكنه كان أشبه بمدافع موجهة إلى قلوبنا.

ثم ذلك المشهد الصغير حين أعطت سلمى ناصر علبة تونة بعد أيام من التعب والجوع، فقال لها: «هاخدها.. بس خلّيها بعدين يمكن نحتاجها». حتى الطعام فى هذه الحياة المؤجلة يصبح قرارًا.

وأخيرًا المشهد الذى يسأل فيه صديق ناصر عن أخيه، فيجيبه ببساطة: «استشهد». فينهار الصديق باكيًا، بينما يحاول ناصر أن يواسيه قائلاً: «مالك؟ أيش فيك؟ استشهد مع اللى استشهدوا». ثم يسأله الرجل: «اللى استشهد أخوك؟» فيرد ناصر: «لا… أخوى الصغير»، ويسقط بعدها على الأرض منهارًا. لحظة إنسانية خالصة، لا يمكن مشاهدتها دون أن تنفجر الدموع.

ربما أدرك الكيان الصهيونى منذ البداية أن هذا المسلسل لن يكون مجرد عمل درامى عابر، بل تجربة تحمل قدرًا كبيرًا من الصدق والوجع والأمل فى الوقت نفسه. وربما فهم أن هذه الحالة لن تنتهى بانتهاء الحلقات، بل ستبقى أثرًا يمتد لسنوات، ينتقل من مشاهد إلى آخر، ومن قارئ إلى آخر، مثل عدوى إنسانية لا يمكن إيقافها.

ولهذا ارتعبوا منذ اليوم الأول. هاجموا العمل، ورفعوا أصواتهم ضده، لأنهم أدركوا أن الدراما حين تكون صادقة قد تصبح أقوى من الضجيج كله، وأبقى من القصف نفسه




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة