لا شك أن من أسوء الأشياء أن يخون الإنسان ضميره، وأن يهيل عليه من ستائر النسيان، ما يجعله في طي اللا موجود، يطمس معالمه في كيانه، ولا يسمع له صوتا، ولا ينصت لكلماته، فيسقط إلى هوة سحيقة، ويحاول جاهدا أن يعطي له من المبررات والحجج ما يريح نفسه، وما يعمي به عينيه، ما هي خيانة الضمير إلا خيانة إنسانيتك وشعورك وإهدار كرامتك بينك وبين نفسك، ففي عالمنا من ماتت ضمائرهم، وصار صورة بشعة لبقية باقية من كائن مشوه.
حين تنقل لنا الدراما صورة حية من حياة الألم والمعاناة لشعب أعزل، تراها تتحرك لحما ودما، تشاهدها بالعين، وتتشربها النفوس والأرواح، فيكون لها أثر عميق في النفس الإنسانية، بما تودعها من مواقف وتجارب، فتجعلك تعيشها، وتنفعل بها، وتجعلك جزء لا يتجزا من أحداثها، تشعر أحزانها وأفراحها، فتبقى وتعيش فيك زمنا طويلا، متأثرا بها، منفعل بأحداثها، وهي تنقل لك نماذج إنسانية، تقرأ عنها أو تتسمع إليها، أو تشاهد مقطتفان يسيرة من معاناتها، فهي لا تنقل لك إلا النذر القليل منها، ولكن العمل الدرامي الجيد ينقل لك الصورة كاملة، متجسدة أمامك تتحرك، أي أنها تنقل لك حياة بجوانبها المختلفة، كما يحياها الناس، بكل ما فيها، بتفاصيل أدق، ما تقابلها وما يطرأ عليها من تغييرات وتحولات نفسية واجتماعية، فلا شك أن تاثيرها يكون أشد وأعمق داخل المشاهد، حين تضرب في أغوار النفس بمواقفها المثيرة، وتصطبغ بها حواسك، كأنك تتجول بين الخراب والدمار، الذي أقترفته يد المحتل، فتشعر بقشعريرة وأنت تراقب، وتخشى أن يسقط فوق رأسك صاروخ، أو أحجار تتناثر، فتصيبك منها جراح، فتقضي عليك، أن ترى شعبا بأكمله يسير بين الركام والرماد والأحجار، فلا مأوى أو جدار يقيك، وألسنة النار والدخان تتصاعد في كل ركن من أركان شوارعها وأزقتها، وصراخات تشق حجب الغيب والصمت، ضارعة مستغيثة ولا حياة لمن تنادي، وصوت الرصاص تصطق به الآذان، عالية مدوية تحبس صوت الصرخات، وتجعلها هباء، وما بين لحظة وأخرى ترى أشلاء تتطاير، ورؤس تُقطع، ودماء تُسال، إنه الموت المنتظر في كل لحظة من لحظات حياتك، إنها أرضك وبيتك، ولا أمان، وأيدي الطغاة من اللصوص، تمتد تسلب بكل قوة، وتنتزع الأرواح غير آبهة لشيء، إنه الواقع المرير، الصورة الحقيقة بلا رتوش ولا خدوش، تشق رحى النفس حزنا وآسفا، وأنت واقف عاجز عن الرد، وعن الدفاع، عن قول كلمة حق، أن ترفع الظلم عن المظلوم، وتأخذ على يد الظالم المتجبر، حين تغريه قوته وجبروته ..لم تكن الأرض أبدا كومة من تراب وأحجار فقط، إنما هي سيل من الذكريات، كل بقعة فيها جزء من حياة إنسان عاش فوقها، فهي نبض كل من يسعى على ترابها، إنما هي الحياة ذاتها، يترك الإنسان إنسانيته حين يتخلى عنها، يهجر ذاته حين يهجرها، ويقتل عاطفته ويغتال معنى وجوده، إن تخليه عنها هو انتزاع لروحه، فيخرج من أضه إلى العالم جسد بلا روح، جثة هامدة، يتوه في دروب أرض، ليست أرضه، إنما هو التيه.