ياسمين الفردان تكتب: قلب للإيجار.. حين تتطابق الحكاية مع رؤية «سيجموند فرويد» عن اللاوعي

الخميس، 05 مارس 2026 11:03 م
ياسمين الفردان تكتب: قلب للإيجار.. حين تتطابق الحكاية مع رؤية «سيجموند فرويد» عن اللاوعي الكاتبة السعودية ياسمين الفردان

من يقرأ قصتي "قلب للإيجار" قد يظنها حكاية امرأة ضاقت بها العاطفة، فقررت أن تخضع قلبها لشروط السوق؛ إيجار معلوم ومدة محددة ولا ضمانات بعد ذلك، غير أن الأمر في حقيقته أعمق من معاملة عابرة بين عاشقين، إنه صراع داخلي هادئ في ظاهره، صاخب في باطنه، صراع بين الرغبة في الاحتماء والخوف من الانكشاف.

يقول سيجموند فرويد إن اللاوعي لا ينام، بل يعمل في الخفاء، يصوغ رغباتنا ويختبئ خلف أقنعتنا، وفي "قلب للإيجار" بدا اللاوعي كاتباً متخفياً بين السطور؛ لم يكن هناك إسهاب في الشرح ولا رغبة في التبرير، كانت اللغة مقتصدة كأنها تخشى أن تفضح أكثر مما ينبغي، وكانت لحظة الانكشاف -تلك اللحظة التي تدرك فيها البطلة أن القلب لا يؤجَّر دون أن يفقد شيئاً من نبضه- هي مركز الدائرة كلها.

القصة قصيرة لأن الألم حين يكون صادقاً لا يحب الخطابة، يكفيه أن يلمح، أن يترك ظله على الجدار ثم ينصرف، وهكذا جاءت القصة ومضة وعي وسط عتمة تردد طويل؛ لم تسعَ إلى موعظة ولم تتكئ على حكمة جاهزة، لكنها وضعت القارئ أمام سؤال لا فكاك منه: هل نحتمي حقاً حين نؤقت مشاعرنا، أم نؤجل فقط لحظة الاعتراف بالحاجة؟

وأخطر ما في النص أنه يشبهني، يشبهني كما يشبه الوجه صورته القديمة، الملامح ذاتها لكن التعبير تبدل؛ فالقصة تمثل مرحلة من التوتر النفسي حين كنت أتلمس طريقي بين خوف قديم ورغبة جديدة، أما اليوم فالنظرة أكثر صفاءً كأن الصراع الذي كان يدور في الخفاء قد خرج إلى الضوء وتمت تسويته بهدوء.

لقد عالجت القصة شخوصها من داخلها، لم أعاقبهم ولم أبرئهم بل كشفتهم، وهذا الكشف في ذاته فعل سامٍ لأنه يحرر الإنسان من خداعه لنفسه؛ فالقلب الذي يؤجَّر لا ينجو من الشوق، والروح التي تدعي الاكتفاء لا تنجو من الحاجة، هكذا تقول القصة دون أن تصرخ.

في عالم يزدحم بالادعاءات جاءت "قلب للإيجار" كاعتراف رصين، اعتراف لا يطلب الشفقة ولا يتباهى بالجراح، بل يضعها في موضعها الصحيح؛ تجربة تُفهم ثم تتجاوز، وربما كانت قيمتها الكبرى أنها لم تتوقف عند الألم بل جعلته طريقاً إلى وعي أهدأ.

إن الأدب حين يخرج من تماس صادق مع اللاوعي لا يكون فضيحة للنفس بل مصالحة معها، و"قلب للإيجار" لم تكن سوى خطوة في هذا الطريق، خطوة قصيرة في عدد كلماتها، واسعة في أثرها، تشبه نسمة عابرة تغير اتجاه الستارة وتترك الغرفة كما كانت، لكنها ليست كما كانت تماماً.

__

* كاتبة سعودية




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة