في لحظات التصعيد الكبرى، لا يكمن الخطر في الصواريخ وحدها، بل في اللغة التي تُبرّر إطلاقها. أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الحرب من قرار سياسي قابل للنقاش إلى “مهمة مقدسة”، يُقال إنها تنفيذ لإرادة إلهية أو تحقيق لنبوءة دينية. عند هذه اللحظة يصبح الاعتراض على الحرب وكأنه اعتراض على الدين نفسه، ويتحول الصراع من قضية سياسية يمكن احتواؤها إلى قضية عقائدية يصعب إيقافها.
خلال التصعيد الأخير حول إيران، ظهرت بوضوح محاولات لتغليف الحرب بخطاب ديني في بعض الأوساط السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة، وفي الخطاب الرمزي داخل إسرائيل. والمفارقة أن النظام الإيراني نفسه قام منذ عقود على توظيف الدين في السياسة. وهكذا نجد أنفسنا أمام ظاهرة واحدة بأشكال مختلفة: تسييس الدين وتديين الصراع.
في الولايات المتحدة، تداولت تقارير إعلامية شكاوى داخل المؤسسة العسكرية تشير إلى أن بعض القيادات قدّمت الحرب على إيران باعتبارها جزءًا من “خطة إلهية”، مرتبطة بنبوءات ما يُعرف بـ “هرمجدون”. وهرمجدون كلمة وردت في سفر الرؤيا في الكتاب المقدس، ويُفهم منها في بعض التفسيرات أنها المعركة النهائية بين قوى الخير والشر في نهاية الزمان. ومع مرور الوقت تحولت الكلمة في الخطاب السياسي والإعلامي إلى رمز لحرب كبرى أو مواجهة نهائية قد تغيّر شكل العالم.
كما ظهرت في الخطاب السياسي إشارات إلى تصوير دونالد ترامب كشخصية مختارة لتنفيذ مسار تاريخي ذي دلالات دينية. وحتى لو كان هذا الخطاب صادرًا عن دوائر محدودة، فإن خطورته تكمن في الرسالة التي يحملها: عندما تصبح الحرب قدرًا إلهيًا، يتحول النقاش السياسي إلى مسألة إيمان، ويصبح وقف الحرب وكأنه اعتراض على النبوءة نفسها.
وفي إسرائيل ظهر توظيف ديني من نوع آخر عبر استدعاء رموز توراتية مثل “عماليق” في وصف العدو. هذه الاستعارة تحمل معنى قويًا في التراث الديني اليهودي، لأنها تشير إلى عدو تاريخي يُنظر إليه باعتباره تجسيدًا للشر المطلق. وعندما تُستخدم هذه اللغة في السياسة المعاصرة، يتحول الصراع إلى مواجهة وجودية بين الخير والشر، لا مجرد نزاع سياسي يمكن حله بالتفاوض أو احتوائه بالقانون الدولي.
المشكلة هنا ليست في الدين نفسه، بل في تحويله إلى أداة تعبئة للحرب. فعندما يُقدَّم الخصم باعتباره شرًا مطلقًا، تصبح كل الوسائل مبررة، ويختفي الحديث عن القانون أو التهدئة.
هذا الاستخدام السياسي للدين يتناقض بوضوح مع جوهر الرسالة المسيحية نفسها. فالكتاب المقدس يضع السلام في قلب الإيمان حين يقول:
“طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون”،
وتبقى رؤية النبي إشعياء لعالم بلا حروب واحدة من أكثر الصور تأثيرًا في التراث المسيحي:
“فيطبعون سيوفهم سككًا… لا ترفع أمة على أمة سيفًا”.
هذه النصوص لا تمنح تفويضًا للحروب، بل تضع قيودًا أخلاقية واضحة على استخدام القوة وتدعو إلى البحث الدائم عن السلام.
ولذلك لم يكن مفاجئًا أن تعبر العديد من الكنائس والقيادات المسيحية عن رفضها للحرب والدعوة إلى وقف التصعيد. فقد دعت الرابطة الإنجيلية العالمية إلى صلاة عاجلة من أجل السلام بعد اندلاع الحرب، كما نشرت الرابطة القومية للإنجيليين في الولايات المتحدة نقاط صلاة مستندة إلى الكتاب المقدس تطلب السلام والعدالة وحماية المدنيين. وفي موقف أكثر وضوحًا، دعت كنيسة المسيح المتحدة إلى رفض الحرب والضغط على المسؤولين لتغليب مسار السلام، فيما صدر بيان مشترك بينها وبين الكنيسة المسيحية (تلاميذ المسيح) يستحضر رؤية إشعياء لعالم تتحول فيه السيوف إلى أدوات للحياة. هذه المواقف تعيد الدين إلى وظيفته الأصلية: ضمير يقيّد العنف لا وقود يشعله.
لكن رفض الحرب لا يعني الدفاع عن النظام الإيراني. فالنظام القائم في طهران نفسه قام منذ الثورة الإيرانية على نموذج الحكم الديني عبر مبدأ “ولاية الفقيه”، حيث تُمنح السلطة السياسية شرعية دينية. وقد استُخدم هذا الإطار لتبرير سياسات داخلية وخارجية مثيرة للجدل، وأدى إلى انتقادات واسعة بسبب القمع السياسي والقيود المفروضة على الحريات. بمعنى آخر، فإن تديين السياسة ليس ظاهرة حصرية في طرف واحد؛ فالدين يُستخدم أحيانًا لتبرير الحرب وأحيانًا لتبرير السلطة، وفي الحالتين يكون الضحية الأولى هو الإنسان.
وسط هذه الخطابات المتصاعدة يبقى القانون الدولي أحد أهم الضوابط التي تحاول منع العالم من الانزلاق إلى الفوضى. فميثاق الأمم المتحدة ينص بوضوح على حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، ولا يُستثنى من ذلك إلا حالتان محددتان: الدفاع الشرعي عن النفس أو تفويض صريح من مجلس الأمن. كما يفرض القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف، قواعد أساسية لحماية المدنيين وفرض مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والسكان المدنيين ومبدأ التناسب في استخدام القوة. أي خرق لهذه المبادئ لا يعد مجرد خلاف سياسي، بل يمكن أن يشكل انتهاكًا للقانون الدولي وربما جريمة حرب.
غير أن المشكلة الكبرى هي أن هذه القواعد كثيرًا ما تُطبَّق بانتقائية. فعندما يصبح القانون صارمًا في نزاع ومتساهلًا في نزاع آخر، يفقد مصداقيته ويغذي الشعور بالظلم. ويظهر هذا الشعور بوضوح في المأساة الفلسطينية، حيث يشعر كثيرون في العالم بأن المعايير الدولية لا تُطبّق دائمًا بالصرامة نفسها التي تُطالب بها في نزاعات أخرى. هذه الازدواجية لا تُضعف العدالة فقط، بل تخلق بيئة خصبة للغضب والتطرف وتقوض الثقة في النظام الدولي.
الخوف الأكبر اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل اتساعها. فالصراع إذا خرج عن السيطرة قد يجر المنطقة إلى مواجهة إقليمية واسعة بتداعيات عالمية في الطاقة والتجارة والاستقرار السياسي. وفي عالم مترابط اقتصاديًا وسياسيًا، لا تبقى الحروب محلية طويلًا؛ فشرارة صغيرة في الشرق الأوسط قد تتحول سريعًا إلى أزمة عالمية.
ويبقى السؤال الذي يواجه العالم اليوم: هل نحن أمام ما يشبه “هرمجدون الشرق الأوسط” كما يصوره بعض الخطاب الديني؟ أم أننا نقف على حافة انزلاق نحو حرب كبرى تُغذّيها السياسة وتُزيّنها الشعارات الدينية؟ التاريخ يقدم إجابة قاسية: الحروب التي تبدأ باسم الله غالبًا ما تنتهي بكوارث يصنعها البشر.