الحذر لا يمنع القدر؛ غير أننا كثيرًا ما نكتب أقدارنا بأنفسنا، لا سيما فى حال الدول.
قد يكون مكتوبا على سياسى أن يُهزَم، أو يُقتَل، أو يموت مُنتحرًا. ولو استُبدِل فى الأوان المناسب؛ لربما نجا، أو نَجَت منه البلاد والعباد.
مصير الفرد مرهون بحظّه قبل كل شىء؛ أما الجماعات فمن مجموع حظوظ أفرادها.
وإذ تختار الشعوب حاكمًا، أو تصطبر على سواه؛ فلا تعرف هل تنعقد له الأمانىّ الطيبة، أم يكون وبالا على نفسه وعليها. هل من نجاة؟ يحدث كثيرًا بالفعل!
خرج هتلر من صناديق الاقتراع، وبها توطّدت تجربة حُكم منضبطة فى أغلب أوروبا، وارتقت الولايات المتحدة، وظلت قادرة على الاستدراك، وتصويب خياراتها الخاطئة.
تبتدئ الدول الثيوقراطية والشمولية من نقطة سيئة جدا؛ فتضحّى بمزيّة استكشاف الأعطاب وإصلاحها ذاتيًّا؛ فضلا على إهداء عدوّها ما يُحب ويتمنّى من ثغرات على كل شكل ولون.
مأزق إيران الراهن ليس فى أنها ضحية لعدوان غادر، كاسح، يفوق طاقتها.
ولا أنها تغابَت فأصابت المجاورين، بأكثر ممّا آلمت المُعتدين؛ بل المُعضلة كلها فى كَونها لا تعرف أين تقف، كيف أتت، وبأية طريقة تنجو من الفخ.
كان الخُمينى أشد ذكاء من خليفته. تجرّع كأس السُمّ بعد ثمانى سنوات من حربه الطاحنة مع العراق.
ونظريا لم يكن مُضطرًّا؛ إذ الثورة طازجة وفى أَوج عافيتها، والحاضنة الشعبية مأخوذة بنشوة الدين، ومحبوسة بالغصب والرضا تحت عمامة آية الله العظمى.
للبلاد سيرة تراجيدية مُعقّدة. من زمن الأمويين والعباسيين، وإلى تشييعها قهرًا قبل قرون، فى سبيل البحث عن غراء عقائدى يُوطّد الصفَويّة، ويُمنح البارانويا الفارسية غطاء يتمايز عن محيطها.
أطاحت الموجة الإسلامية بحلفاء الداخل، وخسرت الجميع بالخارج. كان طبيعيا أن ينصرف عنها الغرب بعد الشاه، وانصرفت هى عن السوفييت بشيوعيّتهم المخاصمة للدين. أحب كل غريم فيها أنها لا تنتمى للآخر، وتوجّس منها أو اتّخذها عدوًّا.
وللآن، يسهُل أن تَعُدّ لها مائة خصم، ويتعذر أن تقبض على صديق واحد. تأخذ كلاما من الصينيين، ويُعطيها الروس من طرف اللسان حلاوة، فيما يُطابقون الغرب تمامًا فى موقفه الجذرى من برنامجها النووى.
والمفارقة؛ أنها لا تحاول أن تصنع أصدقاء بالمرّة، كما لا تُفوّت فرصة لمراكمة الأعداء. ظلت تُفاخر بأنها تتحكم فى أربع عواصم عربية.
تاجرت بفلسطين، واتخذت المُمانعة شعارًا لمُناكفة الاعتدال، وعندما امتُحِنت من الشيطان الأكبر وربيبته، طيّرت صواريخها على الخليج، ووضعت الجميع فى سلّة واحدة.
استُدرج صدام بالحرب وإغراءاتها. من إيران للكويت، وبينهما صبّ فائض قوّته على رؤوس الأكراد.
زُجّ به جهة الهضبة الفارسية، كما أغرته السفيرة الأمريكية جلاسبى لاحقا مع جارته الصغيرة، وصولاً لإخلاء مكانه للملالى الذين كان يطمع بوراثتهم؛ فورثوه فى معقله.
وبدورهم؛ استُدرجوا بالكيفية ذاتها. دخلت واشنطن حربًا على السنّة بعد 11 سبتمبر، وأوحت برغبتها فى التعايش مع الشيعة بديلاً.
اطمأنت طهران فبعثرت أوراقها، وتعاظمت شهوتها يومًا بعد آخر، فما عادت تقبل العودة، أو تقدر على هضم ما قضمته.
تدفع الآن فواتير عشرين سنة أو يزيد؛ وبقدر ما يصعب عليها الاستدراك، يستحيل الاستمرار أيضًا، والأفق غائم، والحسابات مُتداخلة، والأيديولوجيا تعمى البصائر والأبصار.
الحل فى تأهيل النظام؛ ولعلها فكرة مرفوضة من الصقور، بغض النظر عن انسداد طريقها.
الانكشاف أعجزها عن حماية المُرشد حيًّا، وميّتًا أيضًا؛ فأجّلت الجنازة، فيما يُلوّح وزير الدفاع الصهيونى باغتيال خليفته، بعد ساعات من قصف مجلس الخبراء، المُكلّف باختيار المرشد.
عزّة النفس الإيرانية لن تدفع الشارع لمُجاراة الغُزاة؛ غير أن الخوف من غباء المُعمَّمين وحرس الثورة. قتال غير مُتكافئ يُخلخل أبنية الحكم بأكثر ممّا هى عليه، وتيئيس للناس، واحتمالات أعلى للغضب حالما تسكت البنادق.
التأهيل المطلوب ليس أقل من مغادرة ولاية الفقيه، والانتقال لصيغة جمهورية مدنية بسيطة، وتلك دونها رقاب الملالى ومصالحهم وثرواتهم بالطبع.
تبدو النهاية حتمية للأسف، والمفاضلة فى الطريقة والإيقاع.
استنفدت الجمهورية الإسلامية صلاحيتها، وعليها أن تتأهب لمرحلة تالية، أو إصدار جديد، وأن تعمل لأجل ألا يكون سقوطها على رأس البلد نفسه، أو لصالح الأعداء بالطريقة التى يُريدونها تماما.
إيران أمام مأزق عظيم، وفرصة تاريخية، والقرار حائر بين قبر خامنئى، وهوية خلفٍ مجهول. ومآلات يراها الجميع؛ إلا أصحابها للأسف.