يواصل «اليوم السابع» نشر سلسلة «دموية الإخوان»، التي يقدمها إبراهيم ربيع، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة والقيادي المنشق عن التنظيم، حيث تكشف الحلقة الثالثة عشر جانبًا محوريًا في تكوين الجماعة، يتمثل في هوس مؤسسها حسن البنا بالعمل السري، بوصفه الأساس الذي بُنيت عليه بنية التنظيم وأدوات حركته.
وتوضح الحلقة أن حسن البنا لم يكتفِ بتأسيس دعوة ذات طابع ديني علني، بل انشغل مبكرًا بالبحث في تجارب التنظيمات السرية التي سبقته، واستلهم مناهجها وأساليبها في التنظيم والحشد والتحرك. لم يعتمد نموذجًا واحدًا، بل جمع بين أكثر من تجربة، وطورها بما يتناسب مع الواقع السياسي والاجتماعي في مصر آنذاك، ليؤسس تنظيمًا يحمل وجهين: خطاب دعوي ظاهر، وبنية تنظيمية خفية.
ويشير الباحث إلى أن هذا التداخل بين العلنية والسرية خلق حالة من الالتباس لدى المتابعين؛ فالجماعة كانت تقدم نفسها كحركة إصلاحية دعوية، بينما كانت في الوقت نفسه تؤسس شبكات تنظيمية مغلقة ذات طابع خاص، ما جعلها قادرة على المناورة وتغيير خطابها بحسب الظرف السياسي. فهي علنية في الشعارات، سرية في البناء، مزدوجة في الرسائل.
وتلفت الحلقة إلى أن هذا النهج لم يكن مجرد تكتيك تنظيمي، بل ارتبط بفكرة أيديولوجية أعمق، تتعلق بمفهوم «إقامة الخلافة». إذ تبنت الجماعة تصورًا يقوم على أن إعادة الخلافة الإسلامية واجب ديني، وهو ما شكل منطلقًا فكريًا لكثير من التنظيمات المتطرفة التي رأت في هذا الهدف مبررًا لاستخدام القوة.
ويؤكد إبراهيم ربيع أن الإشكالية لا تكمن في الطرح النظري لشكل من أشكال الحكم، وإنما في تحويل هذا التصور إلى أداة تعبئة أيديولوجية، تُستخدم لتبرير الصدام مع الدولة والمجتمع. فبينما صدرت عن بعض قيادات الجماعة تصريحات تؤكد أن شكل الحكم مسألة تاريخية تخضع لاجتهاد المسلمين، ظلت الأدبيات الداخلية للتنظيم تعيد إنتاج خطاب «التمكين» و«إعادة الدولة»، بما يحمله من أبعاد صدامية.
وتبرز الحلقة التناقض الواضح بين الخطاب المعلن الذي يسعى إلى طمأنة الرأي العام، والخطاب الداخلي الذي يُغذي فكرة الاصطفاء التنظيمي والسعي إلى استعادة نموذج سياسي بعينه، ما يكشف عن ازدواجية في الرؤية والسلوك. هذه الازدواجية، بحسب الباحث، ليست عرضًا طارئًا، بل جزء أصيل من بنية التنظيم منذ تأسيسه.
الخلاصة:
تكشف هذه الحلقة أن السرية لم تكن مجرد وسيلة لحماية الجماعة، بل كانت ركيزة تأسيسية في فكرها وتنظيمها، أسهمت في إنتاج بنية مغلقة مزدوجة الخطاب. ومن هذا المناخ خرجت أفكار التمكين وإعادة الخلافة، التي استندت إليها لاحقًا تنظيمات أكثر تطرفًا في تبرير العنف، ما يعكس الطبيعة المركبة للتنظيم منذ نشأته.