بدأت الحرب من نقطة الذروة؛ فلن تصيب النيران الأمريكية الإسرائيلية هدفا أثمن من المرشد الأعلى، وليس لدى إيران ما يتجاوز حماوة الأيام الثلاثة الأولى.
كل ما بعد الفاتحة تمهيد للختام؛ ولعلّها حسبة أيام لا أكثر.
يبحث الطرفان عن مخارج؛ غير أنهما لن يُبادرا بالتنازلات المطلوبة. والوسيط العُمانى حُيِّد عن دوره بصواريخ الحرس الثورى. دول الخليج طُعِنَت غدرًا، بالرغم من محاولاتها السابقة لإنقاذ الموقف.
الأوروبيون يُلوّحون بقُرب الانخراط فى المواجهة. والمشهد فى أمسّ احتياجٍ إلى لمسة عاقلة؛ لكنها ما تزال غائبة، ولا تصوّر عنها أو بارقة فى الأفق.
ذهب ترامب للهضبة الفارسية من دون خطة واضحة. قال فى يونيو إنه دمّر البرنامج النووى؛ ثم عاد للتفاوض عليه، وجدّد القصف بذريعته، فيما خطابه ينحو جهة إسقاط النظام؛ إلا أنه لن يُقدم على الخطوة بمقتضياتها اللازمة، وأولها الغزو البرى.
ليس عارضًا أن يستذكر الإرث القديم بين البلدين، ويستدعى صحيفة سوابق الجمهورية الإسلامية منذ نشأتها. المعنى أنها أزمة مبدئية ذات طابع وجودى؛ وليست وقفًا على نوعية القيادة وخياراتها، ولا على طفرة فى المعرفة والتسليح.
كان الكلام عن عملية سريعة. وتحدث سيد البيت الأبيض عن غارات لآخر الأسبوع، زادها لاحقا لأربعة أسابيع، ثم قِيل خمسة. لا رصيد الذخائر يسمح، ولا طاقة الفُرس المنكوبين فى قادتهم، فضلاً على استحقاق الاحتكام للكونجرس لو طال الأمر عن شهر.
يُراهن البعض على أن طهران لم تُلق كل ما فى جعبتها بعد، وأنها تستكشف وتتدرج فى ردودها.
والحقيقة غير ذلك غالبًا، لا عن انحسار للقدرات؛ إنما لأنها وُضِعت فى زاوية رد الفعل منذ البداية، وافتقدت المبادرة تمامًا، وليس فى مقدورها أن تستعيدها أو تُمسك بزمام المواجهة.
وإذ تفتقد واشنطن للرؤية؛ فإنها ما تزال تتحكم فى الإيقاع. وسيتحدد المسار فى ضوء ما يتكشف عن اتجاهات ترامب وفريقه، وعلى أى منحى سيُوجّه الدفة: تقليم أظفار وضبط للموجة، أم رهانٍ غشوم ومُتغطرس على إطاحة المُعادلة القائمة، جذعا وغصونا.
كل الاحتمالات رهينة بانفتاح كوّة بين العاصمتين، أو تجديد قناة الاتصال المُعطّلة. وما قبل ذلك؛ أن تتضح رهانات الأمريكيين على الجولة الراهنة.
وفى ضوء الرسائل، وقراءة طهران لها؛ سيتحدد طابع الانفعالات والتحرّكات الإيرانية، وما إذا كانت ستشدّ ظاهرًا لحفظ الكرامة، وترخى فى الكواليس، أم ستذهب اضطرارا إلى معركة مصيرية لا تقبل المساومة.
الولايات المتحدة تتعثر ولا تناور، ويبدو أنها تسعى لإدخال الخليج فى المواجهة، انطلاقا من تضرّره المباشر وحقّه فى الرد، بما يسمح بإفادتها من أصوله العسكرية الخاصة، ويُعادل الكفّة، ويُطيل المهلة، مع ورقة ستُجبر المُشرعين لاحقا على شرعنة الحرب.
وفى تلك ثمّة خطيئة إيرانية؛ لأنها وسّعت القوس عن غير ضرورة أو مقدرة، واستعدَت الجوار عليها وكانت أحوج لاجتذابه، فضلاً على أنها تكفّلت بالبرهان على خطورة برنامجها الصاروخى، ولطالما جَدّت فى إبعاده من طاولة التفاوض.
كان الكلام عن النووى والباليستى والميليشيات الرديفة فى الإقليم، وأضاف ترامب هدفًا رابعًا زّجه فى منتصف الباقة، سعيًا إلى تدمير القدرات البحرية لدى الجمهورية الإسلامية. كأن الخيار بين نظامٍ عارٍ من أسباب قوّته، أو من الدولة كلها.
كل ذلك، وما عرّجنا على تل أبيب، ولدى نتنياهو أهدافه الخاصة. حقق الصهاينة فى آخر سنتين ما كانوا يكتمونه عقودًا فى أحلامهم. يُعاد ترسيم المنطقة وتوازناتها، ويستثمر العجوز الماكر فى سردية الحرب مُتعددة الجبهات، والذهاب للانتخابات تحت النار وغبار المعارك.
تعاظمت شهوة الاحتلال، وطعامهم كالعادة يُغذّى شهيّتهم. تطاولت أطماعهم من ردع الأذرع إلى قطاف الرأس نفسه.
وبعدما تحمّلوا نصر الله ثلاثين سنة، قتلوه وخليفته فى أسبوع ويتلمّظون على الثالث، ونحروا المٌرشد الأعلى فى معقله الحصين، ولا ضمانة للبديل.
كُسِرَت كل الأعراف بلا استثناء. الوصول إلى طهران صار نزهة عادية، والاغتيالات دون خطوط حمراء، والاتفاقات تسقط قبل أن يجف حبرها، وكل ميدان يُغطى بغباره على الآخر.
وكما استُدرج الحزب والحوثيون والملالى بغزّة؛ فإنهم يُرخون ستار الغموض وصرف الأنظار اليوم عن القطاع؛ حتى يُجرّب اليمين المُتطرف وصفة جديدة لإفساد خطّة ترامب.
سيُصعّد مُرشد إلى المذبح، ويُعجّل بقرار تصفيته أو يُؤَجّل بحسب هوى القاتل لا يقظة القتيل. الانكشاف فادح، والمخاطر عالية، والمنطقة على برميل بارود.
سقطت الثورة الإسلامية من حالقٍ؛ فلم تعد صالحة للتصدير. بالكاد يُمكنها أن تحيا بعاهة لا شفاء منها، أو تموت انتحارًا.