«إيران تمتلك بشكل متزايد الأدوات لشن هجمات إلكترونية مدعومة بالذكاء الاصطناعي».. خبر قرأته اليوم في مجلة فورتشن (Fortune) إحدى أعرق المؤسسات الإعلامية في العالم - وبغض النظر عن صحة المعلومة من عدمها - فالخبر نفسه يثير تساؤلات مهمة حول مستقبل الحروب في زمنٍ تتشابك فيه الخيوط الجيوسياسية فوق رمال المنطقة العربية الملتهبة.
هذا الخبر - وغيره عشرات الأخبار المشابهة عن أطراف الصراع - يضعنا أمام مشهد جلي الوضوح، فليس الرصاص وحده هو من يحدد مصير الشعوب، بل أصبحت المواد المبرمجة والصور المصنعة والترددات الصوتية المُخلقة، هي القذائف الجديدة في ميادين المعارك الرقمية، كأننا نعيش عصر "ما بعد الحقيقة"، حيث يطل علينا الذكاء الاصطناعي بوجهه القبيح، محولاً الشاشات إلى مرايا مشوهة تعيد صياغة الواقع ببراعة مخيفة.
في مثل هكذا أجواء، يزداد سهولة حقن الفضاء الإلكتروني بمقاطع فيديو وصوت زائفة لشخصيات قيادية أو أحداث ميدانية، صُممت بدقة متناهية لزعزعة الاستقرار، وتأجيج الفتن الطائفية، أو حتى تغيير مسارات ديبلوماسية كاملة بضغطة زر واحدة.
أعتقد أن خطورة هذا المحتوى الزائف في الجغرافيا العربية تحديداً، تكمن في قدرته على اللعب على أوتار العواطف والحساسيات السياسية المفرطة التي تميز المنطقة، فبينما كانت البروباجندا التقليدية تعتمد على الكلمة المكتوبة أو الصورة المحرفة، نجد أن الذكاء الاصطناعي قد منح آلات التضليل قدرة على "خلق" واقع لا وجود له، بملامح بشرية ونبرات صوتية لا يمكن للأذن المجردة تمييز زيفها
هذه الأدوات ليس مجرد خدعة بصرية، بل هو لغم أخلاقي ينفجر في وعي المتلقي العربي، مما يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات الإعلامية الرصينة، ويجعل من "الحقيقة" سلعة نادرة في سوق تعج بالافتراءات الرقمية التي تخدم أجندات قوى على حساب أخرى.
وأمام هذا الطوفان من الحرب المولدة صناعيًا، لم يعد دور المؤسسات الإعلامية العربية مقتصرًا على نقل الخبر، بل باتت هي خط الدفاع الأول عن وعي الأمة وسيادتها المعلوماتية، فالمسؤولية التاريخية تحتم على هذه المنصات الاستثمار العاجل في تقنيات الزيف القائم على خوارزميات مضادة تستطيع فحص البصمة الرقمية للمحتوى قبل بثه.
وإذا كنا نستهدف المكاشفة، فلا يكفي الوقوف في وجه الآلة بالإنكار، بل يجب مواجهة الذكاء الاصطناعي بذكاء "أخلاقي" موازٍ، يجمع بين الرقابة التقنية الصارمة وبين "مواثيق شرف" جديدة تنظم التعامل مع المحتوى الزائف، وتضع معايير واضحة للشفافية، بحيث يعرف المشاهد العربي بيقينٍ تام ما هو بشري المصدر وما هو آلي الصنع، صوناً لمصداقية الخبر وقدسية الحقيقة في زمنٍ ضاعت فيه الحدود بين الواقع والخيال.
أقول هذا الآن، لأن أدوات الذكاء الاصطناعي تحولت إلى "عقل مدبر" في غرف العمليات الأكثر سرية، وإذا كانت الحروب اليوم تُدار بعقول اصطناعية، والواقع يُصاغ بزيف رقمي متقن، ومستقبل الأمم بأكمله بات يُبنى فوق ركائز هذه التقنيات الجامحة، فيبقى التساؤل الملحّ الذي يفرض نفسه على ضمير كل إعلامي وصانع قرار في منطقتنا، هل سنظل ننتظر ما تجود به خوارزميات الخارج لنعرف حقائقنا، أم سنمتلك الشجاعة التكنولوجية والأخلاقية لنكتب نحن تاريخنا الرقمي ونحمي وعي أجيالنا من الوقوع في فخاخ "التزييف العظيم"؟ وماذا سيبقى من "قدسية الحقيقة" إذا ما تُرِكت سيادتنا المعلوماتية رهينةً لخلفيات برمجية لا تعرف من قيمنا إلا ما تمليه عليها لغة المصالح وصراعات القوى؟