لستَ مضطرا لقتل أعدائك اليوم؛ طالما كُنت قادرًا على الوصول إليهم دومًا، مع احتمال أن تتغير آراؤهم غدا أو بعد غد.
يُنسَب المعنى بصيغة مُغايرة للرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون؛ غير أنه لم يكن يقصد الإيرانيين غالبًا، أو يُفكر بعقلية خليفة خلفائه فى البيت الأبيض.
بُنِيَت جمهورية الملالى على قاعدة عَقديّة، ومن المُستبعَد أن تتبدّل مُرتكزاتها العميقة، أو تتحوّل عن طابعها الأيديولوجى المُغلق.
وهذا لا يُبرر العدوان عليها، وبالقدر نفسه يُفسّر تعدّيها على محيطها القريب، ومواقفها المُشينة تجاه الجيران.
طهرانية الثورة الإسلامية، ممزوجة بشوفينية الهوية الفارسية، أنتجت سبيكة قاسية من السطح، وهشّة فى العمق، وغير قادرة على التصالح مع أى آخر مُغاير؛ ناهيك عن مُساكنته أو التعايش معه.
ولا يختلف ترامب كثيرًا؛ فكأنه مُرشد بلا عمامة. خلفية دوجمائية، وثقة مفرطة فى الذات، مع طموح لا نهائى لترويض العالم كله، دون النزول عن شبرٍ واحدٍ من باقة أهدافه الصادمة.
إنها وصفة مثالية للصدام، ومُقدّمة للتدمير المُتبادَل؛ على أن يُحتَكَم فى المآلات والنتائج إلى فروق القوة، وهامش الوقت، ومدى الاحتمال.
طرفا الحرب الجارية أقل الناس تضرُّرًا منها. خسائر الخليج أكبر، ونزيف الاقتصاد يُرهق البعيد أضعاف القريب.
تعرف واشنطن كيف تُسدِّد الفواتير من حسابات الآخرين، وكذلك تل أبيب.
أما طهران فإنها عند أسوأ نقطة بالفعل، ويتعامل حُكّامها بمنطق أنه ليس بعد القاع قاع، وما ضرّ ذبيح الوريد أن يُخدَش فيه الجبين.
يُسرّع الوسطاء جهودهم. لقاء إسلام آباد الرباعى محاولة جادة، ولا تخلو الكواليس ممّا هو أكبر.
ومصر تحديدًا مُنخرطة بكل قوّة، وآخر جهودها رسالة القيادة السياسية أمس، على هامش معرض ومؤتمر الطاقة «إيجبس 2026».
للرئيس السيسى سابقة مع نظيره الأمريكى ترامب. ناشده فى يوليو الماضى بالتدخل لوقف الحرب فى غزة؛ فكانت خطته ذات البنود العشرين، ثم قمة شرم الشيخ للسلام، وانتشال القطاع نسبيًّا من مجرى الطوفان وتداعياته.
كانت الولايات المُتحدة مُنحازة للدولة العبرية، وتحرّكت بعد صمتٍ ورمادية ومُغازلات؛ أما اليوم فإنها طرف مباشر/ شريك ميدان.
وعليه؛ يُزجّى الطلب إليها مرّتين: من الغريم المُقاتل أوّلا، ومن القوّة العظمى ثانيًا.
آخر إطلالته من طائرة الرئاسة، حافظ على وتيرته المُعتادة من التضارب، والرسائل حمّالة الأوجه، على المعنى وضدّه فى آن واحد.
يُريد السيطرة على النفط؛ لكن المفاوضات مستمرة. قد يغزو جزيرة خرج، والاتفاق وشيك. المُهمة أُنجِزَت؛ إنما تتبقّى آلاف الأهداف.
بحسبة بسيطة؛ فقد قصف 13 ألف هدف فى شهر، وعلى اللائحة ثلاثة أهداف إضافية، أى أسبوع بالتقريب.
النظام تغيّر بالفعل؛ لأن القادة القُدامى قُتلِوا، والجُدد يتصرّفون بعقلانية، والمُرشد مصاب إصابة بالغة، ورئيس البرلمان يُقدّم الهدايا بتدرّج صاعد؛ وصولاً إلى تمرير عشرين ناقلة نفط عملاقة.
يستعير لغة النصر التى سبقته إليها مُتحدثة البيت الأبيض؛ كما لو أنه يبحث عن مخرج من الحرب، بأن يُعلن الفوز من طرف واحد. وربما يشترى الوقت لاستكمال تحذيرات الإنزال، واصطناع المُبادأة من جديد.
لا يُمكن الرهان على شىء. دولة المؤسسات الأمريكية تراجعت خطوات واسعة للوراء، لتُهيمن الفردية على واجهة المشهد.
إسرائيل محكومة بأغراض نتنياهو. وإيران مُقيمة فى الشمولية والغموض وغياب المعلومات طبيعيا وبالبديهة.
النار مُتّقدة، ولا أحد من النافخين فيها يروم إطفاءها؛ ولو ادّعى خلاف ذلك.
وأحسن الافتراضات، أن تظل بالوتيرة نفسها، فيما أبواب الجحيم مُشرّعة على كل الاحتمالات.
عض أصابع من الطرفين، وادعاء الإنجاز: بنصر واشنطن، أو بصمود طهران، مُجرّد تصلُّب غير محسوب إلى أن ينكسر الغريم، استمراء لعض الأصابع، وسعى لتثبيت السرديّة؛ لأغراض الخداع داخليًّا، وحجز موطئ قدم أو رصاصة ختامية عندما يحين أوان التسوية.
والحال؛ أن التفاوض بالنسبة للطرفين مُجرّد أداة تكتيكية، لا تحرف أنظارهما عن الأهداف الاستراتيجية الكُبرى، ولا تتعارض مع الجلوس إلى طاولة الحوار بملابس القتال.
وأقصى ما يُمكن الوصول إليه راهنًا، لا يتخطّى الهُدنة المُعلّقة على خلافات تتطلّب مزيدًا من الوقت والجهد، وقد تتأبّى على الحسم الكامل.
ما يعنى إمكانية العودة سريعًا، أو على الأقل إبقاء الخطر احتمالا عاليًا وفى مقدّمة الخيارات.
الحشد على آخره، ورسائل الإرباك لا تتوقف. صحافة الصهاينة تُحذر من التوقف الاضطرارى المفاجئ، وصحف أمريكا تُلمّح إلى إنزال على الجزر والساحل، أو غزو للعُمق بحثا عن مخزون اليورانيوم.
ربما هدفها التخويف والترويض؛ غير أنها مع الذوات الفارسية المُتضخّمة قد تُنتج أثرا عكسيًّا تماما.
رفضت إيران ورقة المطالب الخمسة عشر، وقدّمت بديلاً من خمس نقاط؛ والمقاصّة بينهما تكاد أن تكون مستحيلة.
جمهورية الثورة الإسلامية لن تعطى الدنيّة، بمفهومها المتعالى والانتحارى، وآخرها التقيّة والصبر والكمون.
وترامب سيَعُدّ أى نتيجة، خلاف الاعتراف بالهزيمة، تشجيعا للمُرشد وجنرالاته، وتحضيرًا لصدام أقرب وأفدح.
السياسة غير غائبة عن العاصمتين؛ غير أنها مُكبّلة بالخشونة وجنون السياسيين.
وإلى مُنتهى ولاية ترامب؛ إما يستسلم الملالى أو تتصل المواجهة.
نعيش فصلاً أوّل فحسب، ستعقبه فصول؛ ولو توقّف العرض مؤقتًا لأى سبب.