كان جدي رجل متجهم الوجه، مات قلبه منذ سنوات طويلة، لم أره يوما يبتسم، وعيت على الدنيا، لم أر شفتيه تفتر يوما بابتسامة واحدة، كأنه قطعة من حديد، وجهه الخشبي متصلب العروق، لم أتخيل يوما أن يكون بعروقه دما كدمائنا، جاوز جدي الثمانين من عمره، سئم الحياة كما سئمت منه الحياة، كانت حياته مغامرة كبيرة، انتصر عليها وانتصرت عليه، قتلت الحياة فيه كل شعور، كانت صورة جدي تثير فيَّ الفزع، تربكني حين أرى تلك التجاعيد، فوق وجهه كأنها صخور جامدة، تزداد مع الزمن قوة وصلابة، وإنها تستمد تجهمها من تلك الجبال التي تملا جوفه وأعماقه، وتغذي وجهه بها، لا أدري كيف يتحول الإنسان الى كومة من الرمال أو الأحجار، صوته حين يخرج من فمه يبعث شعورا قويا بالفزع والانقباض، ترتاع له، كم كرهت صوت جدي، ولعنته في أعماقي، ورغم أن صورتي أشبه به، إلا أني لم أحمل بين جوانحي قلبه، ذلك الفراغ الرهيب، والظلام الممتد، والذي يعكس سنوات عمره العجاف، فقد فَقَدَ جدي قلبه مبكرا، ضاع منه حين كان يحاول إنقاذ طفل صغير من الغرق في الترعة المجاورة لأرضه، كان ذلك الطفل الصغير ابنه البكر، كان جدي لم يتجاوز العشرين إلا قليلا، ولم ينس رغم أنه أنجب الكثير من الأبناء، أصطحبه ذلك اليوم وراءه على الحمار، رغم مرضه، وصغر سنه كان يريد أن يساعده في أعمال الحقل، ولم يطق الذهاب بمفرده، أيقظه بالرغم منه وأردفه وراءه، حاملا فأسه، وما يتبلغ به من طعام، في ساعة إنهاكه في العمل وقد فقد الكثير من ماء جسده وشعر بظمأ، ناد صغيره وأمره بأن يملأ له الجركن ليشرب، انزلقت قدميه الصغيرتين وجرفته مياه الترعة وأخذته حتى توارى، أبتلعه الماء، شعر بكثير من الذنب، وأقام موته جدارا بينه وبين الحياة، وعاش أيامه بقلب ميت، عند موت أبي وأعمامي الاثنين قبله، لم تكن هناك في نفسه منابع لتجف، كان قلبه المنفطر اعتاد على الألم، فلم يُغيّر كثير من طبيعة جدي، لم يتغير عندما علم بموته، كأنه لا يَمُت له بصلة، كان وقوفه صلبا جامدا، لا أثر لشيء يبدو عليه، تلقى عزاءه وفي أخر المساء كان كعادته في ممارسة طقوسه التي اعتاد عليها، لم أراه يأكل معنا يوما، ولم يجالسنا، ولا يهش لنا، ولم يداعبنا كما يداعب الأجداد الأحفاد، ولم نشعر يوما بأننا أعزاء عليه كما يقول المثل السائر بأن أعز الولد ولد الولد، لم يتذكرني يوما بقطعة حلوى، لم يمد يده ببعض القروش، لأشتري بها شيئا، لم يمرر يديه على شعري، لم يلفظ كلمة واحدة، تدل على عطف، لابن ابنه اليتيم، كنت أُذّكره دائما باسمي خشية أن يكون نسيه، لم يكن يرد علي، كان يكتفي بأن يرمقني بنظرة فاترة، لا تدل على شيء، حين كان يمرض أحد من أحفاده يعالجه بطريقته، التي تتناسب مع طبيعته ووجومه، وتجاعيد وجهه، يأتي بقطعة من الحديد مدورة في حجم العشرة قروش ويضعها على النار، حتى تبدو كجمرة، يمسكها بشيء مهيئ لذك، ويكوي بها رأس الصغير، ويوصمه بها، مدى الدهر، كل من يشكو من وجع في ظهره أو صداع، يأتي لجدي ليمارس عليه طبه الغريب، بالكي حينا وبالضرب أحيانا أو ببعض الوصفات التي تنجح حينا، وتريح المريض بالموت أحيانا، وقد أستراح من ألم المرض، وألم النظر في وجه جدي، كنت أخافه، وأطيعه خشية أن يعذبني، إن مرضت أو شكوت شيء، أتحامل كل شيء إلا علاجه، أتذكر جلسته على تلك المصطبة الدائرية المصنوعة من الأسمنت في برميل من الصاج أمام البيت، يدخن سجائره الواحدة تلو الأخرى، ذلك الخيط من الدخان، الذي لا ينقطع طوال الليل سرب من الخطوط الداكنة السوداء، التي تخرج من صدره المعتم، كأنها مدخنة، لم يكن جدي يخاف شيئا حتى الأشباح، كنت أظن أنها كانت تخاف منه، ولا تظهر حين يكون جدي جالسا جلسته المعهودة، كان الظلام صديق جدي الوحيد، الذي يلازمه ويطمأن إليه، ويفضفض له الظلام عما يعانيه، وكان جدي يمنحه بعض القوة، كان يشق الظلام بقدميه، التي لم يعرف الخوف طريق إليها، يعود في الثانية أو الثالثة ليلا قبل الفجر بقليل أو بعد الفجر بقليل، لم يدري أحد أين كان يقضي جدي لياليه تلك، ولم يجرأ أحد على أن يسأله مخافة نظرته التي تزرع في النفس خوفا ورعبا، كانوا في الصباح يسمعون كما يسمع الناس عن الحوادث التي تحدث في الليالي، تحذره جدتي خوفا عليه، ولكنه لم يأبه بذلك يوما، كان يكتفي بالنظرة التي تحمل معنى الازدراء والسخرية، مما يجول في خاطرها، جاوز جدي الثمانين عاما، ويبدو بلا انحناء، قامته صامدة صلبة، لم ينحني يوما، ولم يتكأ على عصا، وكان حين يركب دابته يركبها بلا مشقة، يعمل بقراريطه بيده، ولا يمد يده بفرض مجعول على أبنائه، ولا يعطي شيئا مما في يديه، وفي الليلة التي رحل فيها كان يبدو طبيعيا، لم يُرى عليه أثر شيء من مرض أو تعب، كأنما أراد أن يموت واقفا صلبا كما اعتاد، آوى إلى فراشه في الهزيع الأخير من الليل، بعد أن أنهك صدره كعادته كل يوم بالتدخين، وخرجت أنفاسه الأخيرة إلى الأجواء، كما تخرج، تصعد من أعماقه بلونها الأسود القاتم، صعد إلى المقعد، كما يطلقون عليه، حجرته المنفردة، والتي لا يدخلها أحد، وهو يقفلها عند خروجه بمفتاح لا يفارق جيبه، ولا يعرف أحد عن جدي وحجرته شيء، فغالبا هو صامت، كلماته قليلة مؤلمة، لا تحمل إلا التوبيخ، عندما صعد في هذه الليلة، سمعت جدتي بعض الضجيج المُنبعث من حجرته، لكنها لم تعبأ فكثيرا ما كان يصدر أصوات، إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يستحم، ولكنه سرعان ما يهدأ، وبعد قليل ينزل مرة أخرى لصلاة الفجر، لكنه في هذه الليلة لم تسمع لخطواته، التي تُحدث دويا شيئا، لعله تَعِبَ، وقد استغرقه النوم، بعد صلاتها ومع أول شعاع من أشعة الشمس تحاملت على نفسها وصعدت إليه توقظه، ليؤدي صلاته، لكنه لم يجب، طرقت عليه الباب، ودخلت فهو يتمدد على فراشه نائم، قد أستغرقه النوم في سبات عميق، وقفت عند رأسه نادت عليه، ولكنه لم يجيب، هزت يده لم تسمع لأنفاسه صوت، نادت أبنها الذي يقطن في غرفته المقابلة، أدرك أباك ولكنه كان قد رحل، مات كما كان يريد بلا صخب، مات واقفا، ودون أن تمتد يد له بالمساعدة، كان يخشى المرض كثيرا، كان يخاف أن لا تمتد إليه يد بالمساعدة.
كان جدي على النقيض من جدتي، كانت رقيقة القلب، تكاد تُغرق بحنانها الجميع، عاشا سنوات طوال ولا أدري كيف جمعت بينهما الحياة، وكيف أنجبا على اختلافهما، كانت هي نهرا دائم الفيضان، وكان هو صحراء قاحلة، لم تستطيع جدتي أن تزرع به شيء، ولم يستطع هو أن يُوقف فيضانها، لم يتأثر بها ولم تتأثر به، مات أبناء لهما، فرقت جدتي وشَفَّت، وقسى جدي وأظلم، فجمع بيتهما إشراق الشمس، وظلام الكهوف، كنت أشبه أحفاده به، أحمل تلك الملامح، عينيه الصلبتين الغائرتين، تجاعيد الجبين، ظمأ الشفاه، أحمل في وجهي بطاقة جدي، لون جلده، أصابعه المكتنزة القوية، لكن أعماقي تحمل قلب جدتي، عطفها المتأصل، حنانها الوَّقاد، أشعة شمسها تضرب في نفسي، تضيء جوانبي وتملأ كياني، ولكني كلما نظرت في المرآة تَذَكّرت جدي.
خالد دومة
خالد دومة