في الوقت الذي تحولت فيه الحروب من اداة لادارة الصراع، او بالاحرى حسمه، الى وسيلة لادارة الاستقرار عبر فرض تهديد جمعي يمتد ليشمل دولا لا تقع في خصومة مباشرة مع اي من اطراف المواجهة، تبدو مواقف الدول، سواء في اطار التحالفات او حتى تلك التي اثرت الحياد، محملة بكلفة واضحة، في ضوء وقوعها جميعا تحت هذا التهديد الممتد، وهو ما يفرض بدوره شروطا جديدة على القوى المؤهلة للقيام بادوار من شأنها احتواء التصعيد، عبر التخفيف من حدة المواجهة والدفع نحو مسارات تفاوضية، حتى وان تزامنت مع استمرار العمليات العسكرية على الارض.
هذا التحول الجذري في طبيعة الصراع، سواء من حيث ادواته او نطاقه الجغرافي او امتداداته الزمنية، لم يعد يسمح باستمرار الادوار التقليدية التي حكمت التفاعلات الدولية لعقود طويلة، خاصة فيما يتعلق بدور الوساطة، والذي كان حتى وقت قريب يرتبط بحياد الوسيط، ومدى تاثيره على اطراف الصراع، فضلا عن محدودية تاثر الدولة الوسيط بالتداعيات المباشرة للازمة، بينما لم تتجاوز طبيعة هذا الدور نقل الرسائل بين الاطراف المتصارعة، والعمل على تقريب وجهات النظر بينها، الى جانب استضافة الوفود وعقد الجولات التفاوضية، وهو ما كان يمنح الدولة الوسيط قدرا من الزخم السياسي والدبلوماسي، ويعزز من حضورها في المعادلة الاقليمية والدولية، الامر الذي خلق بدوره حالة من التنافسية المحدودة بين دول الحياد، لتقديم نفسها كطرف قادر على لعب دور الضامن للاستقرار الاقليمي.
غير ان هذه الشروط لم تعد كافية لانتاج وساطة ناجعة في ظل التعقيد المتزايد للصراعات الراهنة، حيث لم يعد الحياد المطلق خيارا منطقيا، خاصة مع امتداد التهديد ليطال الوسيط نفسه، حتى وان لم يتعرض لضربات مباشرة، اذ باتت تداعيات الصراع تتسلل الى الداخل اقتصاديا وسياسيا وامنيا وعسكريا، بما يجعل الدولة الوسيط جزءا من معادلة التهديد، وليس مجرد طرف خارجي يسعى لاحتوائه، كما ان الدور ذاته لم يعد مقتصرا على نقل الرسائل او تيسير التواصل، بل بات يتطلب امتلاك ادوات ضغط حقيقية، تمكن الوسيط من التأثير في سلوك اطراف الصراع، الى جانب سجل من السوابق التي تعكس قدرته على تحقيق تهدئة ملموسة في بيئات معقدة ومتشابكة.
وفي هذا الاطار، تتجلى شروط الوسيط في الصراعات الدولية الراهنة في ثلاثة ابعاد متوازية، يشكل كل منها ركيزة اساسية لفاعلية هذا الدور، حيث يتمثل البعد الاول في الارتباط الجغرافي، اذ لم يعد من المنطقي ان يكون الدور المحوري في ادارة صراع اقليمي مسؤولية قوى بعيدة عن جغرافيا المواجهة، خاصة في ظل تحول الوساطة من مجرد اداة للبحث عن نفوذ او تعزيز المكانة، الى ضرورة وجودية ترتبط بحماية مقدرات الاقليم، وفي القلب منه الدولة الوسيط نفسها، وهو ما يمثل احد اهم منطلقات هذا الدور ودوافعه، حيث تتحول الدولة من موقع المتلقي لتداعيات الصراع، الى فاعل يسعى لادارة تكلفته بنفسه، بعيدا عن التحمل التلقائي لتداعيات الانخراط المباشر او حتى الحياد التقليدي، بعدما فقد الحياد قدرته على اعفاء اصحابه من كلفة الصراع او تحييدهم عن اثاره الممتدة.
ويرتبط بذلك البعد الثاني، والمتمثل في التاثر المباشر بتداعيات الصراع واستمراره، اذ لم يعد مقبولا ان يكون الوسيط بعيدا عن تبعات الازمة، بل على العكس، اصبح هذا التاثر احد اهم عناصر فاعلية الدور ذاته، كونه يجعل الوساطة متماهية مع المصلحة المباشرة للدولة، في ضوء سعيها الى تحقيق بيئة اكثر استقرارا، بما ينعكس ايجابا على اوضاعها الداخلية، سواء على المستوى الاقتصادي او الامني او السياسي، وهو ما يمنح الوسيط دافعا حقيقيا يتجاوز الاعتبارات الرمزية او البحث عن دور شكلي في المعادلة الدولية.
اما البعد الثالث، فيتمثل في التوازن، باعتباره الوريث الواقعي لمفهوم الحياد في صورته التقليدية، حيث لم يعد الحياد يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع الاطراف بمعناه الجامد، وانما اصبح يعكس قدرة الدولة الوسيط على ادارة علاقاتها مع مختلف الاطراف دون الانخراط الكامل في اي منها، بما يتيح لها الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الجميع، كما يمتد هذا التوازن ليشمل موقعها داخل الشبكات الدولية المتنافسة، بما يمنحها قدرا من المرونة في الحركة، ويعزز من الثقة الدولية في قدرتها على ادارة الصراع والتأثير في مساراته.
وعلى جانب اخر، يتجلى تحول اخر لا يقل اهمية في مفهوم الوساطة، يتمثل في انتقالها من حالة تنافسية محدودة بين اطراف محايدة يسعى كل منها الى الانفراد بالدور، كما كان سائدا في الصراعات التقليدية، الى اطار تكاملي يقوم على تنسيق الادوار بين عدة اطراف، يملك كل منها من التأثير والثقل ما يؤهله للمساهمة في تحقيق نتائج ناجعة، وهو ما يعكس بدوره طبيعة الصراعات الجديدة التي باتت اكثر تعقيدا وتشابكا، بما يجعل التعامل معها يتطلب توزيعا للادوار بدلا من احتكارها.
وفي هذا السياق، تبدو نماذج الوساطة متعددة الاطراف، وعلى رأسها الوساطة الثلاثية في الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران، عبر التنسيق المصري الباكستاني التركي، تعبيرا واضحا عن هذا التحول، حيث تعكس هذه المقاربة درجة متقدمة من التنسيق وتوزيع الادوار في التعاطي مع اطراف الصراع، فضلا عن امتلاك كل طرف لادوات تمكنه من التأثير في مسار الاحداث، بما يتيح تحقيق تقدم ملموس نحو التهدئة، بعيدا عن منطق الوسيط الواحد الذي كان يهيمن على ادبيات الصراعات السابقة.
وهنا يمكننا القول بان الوساطة لم تعد مجرد اداة دبلوماسية لتجميل المشهد او تأجيل الانفجار، بل تحولت الى آلية مركزية في ادارة تكلفة الصراع داخل نظام دولي يتسم بالتشابك والتعقيد، حيث لم يعد الانخراط المباشر خيارا مضمونا، ولا الحياد ملاذا آمنا، لتصبح الوساطة في صورتها الجديدة تعبيرا عن قدرة الدول على اعادة تعريف موقعها داخل الصراع، ليس باعتبارها طرفا فيه او بعيدا عنه، وانما كفاعل يسعى لاحتواء تداعياته وادارة حدوده بما يحفظ استقراره واستقرار اقليمه. وفي هذا السياق، لا تعكس التحولات الراهنة مجرد تطور في ادوات السياسة الدولية، بقدر ما تكشف عن اعادة صياغة اعمق لمفهوم الدور ذاته، حيث لم يعد يقاس بحجم النفوذ او القرب من مراكز القوة، بقدر ما يقاس بالقدرة على ادارة التعقيد وتوازن المصالح، وهي معادلة يبدو انها ستحدد شكل التفاعلات الدولية في المرحلة المقبلة