حازم حسين

حائك السجاد وبائع الثلج

الإثنين، 30 مارس 2026 02:00 م


الحرب مع العدو، والتفاوض أيضًا. وحتى أشد حالات العداء استحكاما، تتطلّب قدرًا من قبول الآخر، يسمح بأن تنفتح القنوات الخلفية، ولا تنسد أبواب الحوار.
ولا عيب فى أن تكون إيران على اتصال بالولايات المتحدة. أما عن كونه مباشرا أو غير مباشر، فتفصيل عارض، ولا يُغيّر من الواقع شيئا.
تقول حكمة شهيرة، ولها ألف أبٍ تُنسَب إليه، إن عليك أن تُبقى أصدقاءك قريبين، وأعداءك أقرب. والقُرب قد يكون فى ميدان القتال، أو على الطاولة.
التحسُّس الزائد نتاج الأيديولوجيا المُفرطة، أو الافتتان العظيم بالذات.


والمرضان حاضران بثِقلهما فى طهران وواشنطن، وترتخى ظلالهما الكابية على مُحيط عريض، تتلاطم فيه أمواج الجغرافيا والديموغرافيا، وتتكسر النصال على النصال، كما قال المتنبى، أو الخرائط على رؤوس البشر، والعكس.


تقطّعت سُبل الوِفاق أو التعايش، غير أن القطيعة الكاملة غير واردة حاليا، ولا بديل عن المُساكنة الاضطرارية، طالما يتعذّر الحسم على الطرفين.
والمشكلة أنهما ذهبا معا للمدى الأقصى. أغلقا الأبواب وضيّعا وصفة النزول عن الشجرة، ويحتاجان يدًا تمتدّ من خارج النار، لتُطفئ لهما مقعدين يصلحان للجلوس.


حجم الحشود الأمريكية لا يُسوّغ الرجوع دون كسبٍ صافٍ، وعلى القدر ذاته من الضخامة.
وجنون الإيرانيين أصاب الوسطاء القُدامى بشرَره، وصار على البُدلاء الجُدد أن يتقدّموا ببطء، وأن يُجرّبوا بناء الثقة من قاعها، وعلى غير سابقة.
اللقاء الرباعى فى إسلام آباد، أمس واليوم، استكمال لجهود أطلقتها مصر، والتحقت بها باكستان وتركيا، ولم تكن قطر وعُمان بعيدتين عن مُقدّماتها، غير أن المقعد الرابع شغلته السعودية.


القاهرة آتية من ميراث ثقيل وطويل مع الملالى، سعت خلال سنوات لتذويب رواسب الماضى، والتدرُّج بالعلاقات صعودًا، وقد تحسّنت الأجواء، ولم تُطَبّع بالكامل.


الجارتان، تركيا وباكستان، تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية مع الجمهورية الإسلامية، ولا يخلو المجال من أزمات ممتدّة ومُتقطعة.
وكأن ثورة الخمينى قضت على البلاد بألا تحتكم على صديق حقيقى، ولا تبرأ لها قناة اتصال من المُنغّصات.


سيرة طهران مع المنطقة سلبية وسيئة، فإما تختطف عواصم مثل بيروت وصنعاء، أو تُشاغب مع أخرى تتعافى منها مثل دمشق، أو تُعكّر مياه الحياة والحُكم فى ثالثة كبغداد.


وحضور الماء ليس من البلاغة فحسب، إذ تندلع كثير من حرائق إيران مع جيرانها عليه.
قبل سنتين تقريبا تبادلت القصف مع باكستان، وكانت البادئة. ردت الجارة، ثم عبرتا الواقعة كأنها احتكاك فى عربة مترو.
غير أن ما يقبله القريب ليس شرطا أن يبلعه البعيد، والتشابكات مُختلفة، والتوازنات أيضًا، وقد سلّم محور المُمانَعة نفسه راضيًا، ومُقبلاً، ومُتوهّمًا أنه يُطلق حربا للربح لا الخسارة، ولتثبيت الردع لا فقدانه للأبد!
محاولات الوسطاء غرضها وقف الحرب، وتجفيف آثارها الثقيلة على المنطقة، وليس إنقاذ الطرفين من بعضهما، وقد بدا أن المواجهة محسومة سلفًا من الأساس، والمآلات ربما تتأجّل، إنما لن تتغير.


المملكة حاضرة بالأصالة عن نفسها، وبالنيابة عن المُضارين من الخليج.
والمغزى، أنّ أية تسوية يجب أن تكون عامة توافقية، ولا يُستَثنَى الضحايا من ترتيباتها، لأن الإقليم مُقبِل على صيغة جديدة تمامًا، ولو أنكر المتفائلون والمتشائمون معًا.


لا يعرف الملالى وجنرالاتهم من أين انطلقوا وإلى أين، وكذلك الإدارة الجمهورية وسيّدها مُتقلّب المزاج. ولا بدّ هنا من أن تقفز للذهن فجأة مقولة تشرشل اللاذعة العميقة: «يتخذ الأمريكيون القرار الصحيح، بعدما يُجرّبون كل الخيارات الخاطئة».


ما فرّق القتل بين صقور وحمائم، أو العقلاء من الصنفين. يتردد اسم رئيس البرلمان باقر قاليباف شريكا للحوار، غير أنه يُصرّح أخيرًا بأن واشنطن تُلوّح للدبلوماسية بيدٍ، وتُرتّب بالأخرى لغزوٍ برّىٍّ.


معنى اسم الرجل «حائك السجاد»، ما يُعمّق رمزية حضوره فى المشهد، اتّصالا بآلية التفاوض الإيرانية ومنهجها فى الصبر وتقطيع الوقت، وقد أفضت بها المماطلة لما هى فيه، وتفوّق عليها ترامب باختراع المبادأة بالطريقة نفسها فى كل مرّة.


عراقجى قال سابقا «إنّ الخسارة فى المساومة، إذا كنت تبيع ثلجًا تحت الشمس»، ويواصل غرامه ببيع الثلج، أو يُجبَر عليه.
الصهاينة يعتنقون مبدأ آخر، خلاصته أنه «مع الطعام تأتى الشهيّة»، وقد أغرتهم الوقائع بما لم يكونوا يحلمون به، ويضعهم فى المقدمة الآن ولعقود، ولو أُجبروا على التوقف فورًا.


اخترعوا عقيدة الضاحية من معقل حزب الله، واستعاروها لغزّة، ثم نقلوها إلى طهران.
البلد مُستباح، لا أمان لأحد، وعلى طريق الحسم يُستَحسَن أن يُسحَق المجتمع، لتتضاعف مُعاناة أهله، ويكونوا خنجرًا فى أعناق أنظمتهم.
قد تُثمر الوساطة، وقد تتعثّر الآن أو بعد اتفاق هشٍّ. الواقع الثقيل لا ينبغى أن يُعطل المحاولة، وأوهام الملالى يجب ألا تسرق من الجميع الحقائق.
دوّامة تلفّ وتتوقف عند النقطة نفسها. إنما بكُلفة أعلى فى كل مرّة، وعلى طرفى الحرب معًا، والمنطقة والعالم من ورائهما دون جريرة أو اختيار.
والشرق والغرب لن يلتقيا، كما قال كيبلينج، لكنهما يصطدمان، ليظل العالم عقودًا يتعافى من عبء الجنون.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة