يوسف إدوارد

أسوان.. الإعلام .. الإنجيلية

الإثنين، 30 مارس 2026 03:58 ص


في أسوان، حيث يلتقي النيل بأرواح البشر، وتنساب الشمس فوق كل حياة وكأنها أصل الوعود، يعيش أهل المدينة بهدوء يخفي وراءه صلابة الروح. في أسواقها القديمة، وعلى المقاعد المطلة على النهر، وفي الأزقة التي تحفظ أسماء العابرين، تتشكل ملامح مدينة تعرف جيدًا كيف تصبر… وكيف تحلم.

الهواء يحمل رائحة التاريخ والحياة، ويهمس بحكايات الأيام، وكأن كل حجر وكل شيء يحمل ذكرى من ماضٍ طويل.

أهل أسوان لا يطلبون الكثير، لكنهم يستحقون كل شيء: حياة قائمة على وعي، شؤون تُدار برؤية، ويد تمتد لتحتضن الإنسان قبل أي حسابات أخرى. ومن هذا الإحساس، تجمّعوا، ليس كحضور عابر، بل كروح المدينة التي جاءت لتقول كلمتها، وتبحث عن مستقبل يليق بها. كل وجه يلمع بالأمل، وكل ابتسامة تنقل رسالة صمتها يفهمها من يعرف المدينة: نحن هنا، نريد أن يكون لنا دور، نريد أن نشارك في صناعة حياتنا.

كان المشهد حيًا ومليئًا بالحركة والنبض؛ وجوه تنصت، وأخرى تناقش، وأيدي تكتب ملاحظات، وعيون تلمع بفكرة جديدة أو اقتراح جاد. هنا، برز منتدى حوار الثقافات، الذي نظّم هذا النشاط، ليجمع الأصوات المختلفة تحت مظلة واحدة، لا لتتجاور فقط، بل لتتفاعل، وتبني معنى أعمق للمواطنة والتعايش، ويخلق مساحة يستطيع فيها كل فرد أن يرى أثره، وأن يشعر بأن صوته مسموع.

شهدت أسوان ندوة “الإعلام بين التأثير والمسؤولية”، التي جمعت الإعلاميين والقيادات الفكرية، لتكون مساحة للحوار البناء، وتجربة حقيقية لصناعة الوعي، وربط الكلمة بالفعل، والفكرة بالممارسة.

وفي قلب هذا الحراك، برزت قيادة تؤمن بأن الزمن لا يُقاس بالسنوات، بل بالأثر، ممثلة في حضور المهندس عمرو لاشين، محافظ أسوان، الذي عرض رؤية أسوان ٢٠٤٠ لتعظيم الاستثمار، وتعزيز السياحة، والطاقة، ولتكون المدينة نموذجًا للتنمية المستدامة. امتدت رؤيته لما بعد الخطط التقليدية، لتصبح كل خطوة جزءًا من مشروع أكبر يسعى لبناء واقع متماسك، تتكامل فيه الجهود من تطوير البنية التحتية، والعمل الأهلي، وتمكين الشباب، والتحول الرقمي، والزراعة الذكية، إلى التنمية الحضرية. كل مشروع يحمل بصمته الخاصة، وكل خطة تهدف إلى تحسين حياة الإنسان، لأن أسوان بالنسبة له ليست مجرد مدينة، بل مختبر حي للتنمية الشاملة والإنسانية، حيث يصبح النجاح فيها رفاهية لكل أهلها الطيبين الذين يستحقون كل هذا الاجتهاد.

ولم يغب الإعلام عن هذا المشهد، ممثلًا في نخبة من القيادات الإعلامية التي أدركت أن دورها لم يعد مجرد نقل الحدث، بل المشاركة في صناعته. هنا، أصبح الإعلام شريكًا حقيقيًا في تشكيل الوعي، وجسرًا تعبر عليه الأفكار من النقاش إلى التطبيق، ومن الكلمة إلى الفعل. وبدوره، ساهم في ربط المجتمع بالمبادرات، وفي رفع مستوى الحوار بين المواطن والدولة، من خلال نقل الصورة كاملة، بما فيها تفاصيل الأمل والعمل والتحديات.

وفي قلب هذا الحراك المجتمعي، وقفت الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية كقلب نابض، بقيادة الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية ورئيس الهيئة، الذي جعل كل نشاط فرصة لبناء الإنسان، وتعزيز الحوار، وتمكين المجتمع المحلي. وكان اجتهاد الهيئة حاضرًا بشكل ملموس من خلال مبادرة “بناء الإنسان والمواطنة من ركائز التنمية المستدامة”، التي توجت بتوقيع بروتوكول تعاون بين الهيئة القبطية الإنجيلية ومحافظة أسوان، بهدف دعم الجهود التنموية والاجتماعية والثقافية، وتمكين الفئات الأولى بالرعاية. لم يكن دور الهيئة تنظيميًا أو شكليًا فقط، بل رؤية متكاملة تتجسد في كل كلمة، وكل فكرة، وكل مشروع. ومن خلال المنتدى، تحولت الأفكار إلى أفعال، والنقاش إلى مشاريع ملموسة، ليشعر كل مشارك بقيمته، وأن له القدرة على الإضافة، وأن صوته له صدى في حياة المدينة.

ومع هذا التلاقي بين الناس، والرؤية، والإعلام، والعمل المجتمعي، اكتملت الصورة. مدينة تتحرك، وأفكار تنضج، وأمل يتشكل بهدوء، دون ضجيج. في أسوان، لا شيء يُقال عبثًا؛ كل كلمة لها صدى، وكل خطوة تترك أثرًا. هنا، يصبح البناء قصة حقيقية، والمواطنة ممارسة يومية، والوعي طريقًا يُسلك، لا شعارًا يُرفع.

وعلى ضفاف نيلها الهادئ، تظل الحكاية مستمرة… حكاية مدينة تعرف جيدًا كيف تبدأ من جديد، كل مرة، وكأنها المرة الأولى، لتظل أسوان مثالًا حيًا للانصهار بين التراث والحياة المعاصرة، بين الإنسان والمدينة، بين الرؤية والإبداع، وبين الإعلام والعمل المجتمعي، في لوحة متكاملة من الأمل والعطاء والوعي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة