كنت – مع الصديق الكاتب الساخر محمد الرفاعي – في زيارة لوزير الثقافة فاروق حسني لا أتذكر الآن سببها الرئيسي ولكني أذكر جيدا الطريقة الودية التي قابلنا بها الوزير وربما لعلاقته القديمة بمحمد الرفاعي ولكني لسبب أيضا لا أتذكره الآن سألته فجأه عن سبب حماس وزارة الثقافة لانتاج فيلم (المسافر) إنتاجا كاملاً لأول مرة منذ 1971 رغم أن كل مقترحات لجان السينما التي شكلها المجلس الأعلى كانت تتحدث عن "دعم" الأفلام وليس إنتاجها بالكامل وكان سؤالي مباشرا: لماذا تمت الموافقة على إنتاج هذا الفيلم تحديدا خارج إطار التسابق المتبع مع باقي الأفلام المطالبة بالدعم؟! وما هي المعايير التي تم بناء عليها تجاوز كل الأعراف السائدة حتى في تقدير الميزانية من 9 مليون جنيه إلى22 مليون (وهو رقم ضخم بحسابات زمنه ..ابتسم الوزير مداريا انفعاله قائلا أن الأستاذ / علي أبو شادي هو الذي عرض عليه سيناريو الفيلم مشيدا به معتبرا أنه أفضل سيناريو مصري قرأه وأنه كفيل بعودة السينما المصرية إلى العالمية وأن "جو" الفيلم المتأثر بسينما (فيللني) يضمن له الاشتراك في مهرجان فينيسا الدولي وربما حاز جائزته وأن الوزير شكل لجنة من كبار نقاد السينما (لم يحدد الأسماء) ولكني أذكر أن من بينهم كان الناقدان الكبيران سمير فريد وكمال رمزي وأن الجميع أشاد بالسيناريو وبالمخرج الذي لم يكن له سابقة أعمال كبيرة غير فيلمين قصيرين هما (علامات أبريل ) و (آخر النهار) إلى جانب مجموعة من الأفلام التسجيلية والقصيرة في إيطاليا التي كان يعمل بأحد معاهدها.
..وفي ظرف شهرين فقط – كما يذكر أحمد ماهر – تمت الموافقة على أن تنتج الوزارة ممثلة في صندوق التنمية الثقافية الفيلم بل أن الوزير شخصيا هو من اتصل بالفنان عمر الشريف وطلب منه القيام ببطولة الفيلم كما تم ترشيح الفنان خالد النبوي ليلعب دور الشخصية التي يجسدها عمر الشريف في مراحل مبكرة من عمره حيث يختار الفيلم 3 أيام في سنوات مختلفة لسرد حكايته عبر شاب وكهل وجد.. قال عمرالشريف أنه أعجب بالسيناريو ولكنه اشترط على المخرج أن يقوم (بتعديل) أي مشهد لا يوافق عليه النجم العالمي (وهو الأِمر الذي لم يحدث قط ) .. طبعا اعتبر (أحمد ماهر) أنه كان محظوظاً بهذه الموافقة بعد أن ظل يكتب في العمل ثلاث سنوات كاملة وبعد أن داخ (السبع دوخات) بحثا عن منتج يتحمس لانتاج الفيلم بين (جود نيوزواسعاد يونس) وحتى جهات ايطالية...!!
وشابت عملية إنتاج الفيلم في مصر الكثير من المشاكل ليس أقلها طبعا تجاوز الميزانية أكثر من ضعف المحدد لها وعدم تولي محترفين لعملية الإنتاج (وهو الأمر الذي دفع أبو شادي نفسه إلى الإشراف الكامل على العملية محاولا إنقاذ ما يمكن انقاذه) ولكن الكارثة الأكبر كانت في الفيلم نفسه.
في العرض الخاص للفيلم وصفت الناقدة خيرية البشلاوي الفيلم بعد عرضه في مهرجان الاسكندرية لدول البحر المتوسط أنه ليس مفهوما ومعاديا للجمهور المصري وأنه بني على سيناريو مرتبك وأعربت عن حزنها لتكلفة وزارة الثقافة أموالا (طائلة) في تمويل الفيلم.
الغريب أيضا (كما سنرى فيما بعد) أن رد عمر الشريف كان صادما الذي وصف الشعب المصري الذي يتوجه للسينما بالجاهل وأنه يعشق أفلام إسماعيل يس (الذي أكد أكثر من مرة كراهيته له) ولا يهتم بالسينما الجادة وأشار عمر الشريف أن كثيرا من المخرجين العالمين مثل فيللني قدموا أعمالا يعتبرها المتلقي غامضة أو غير مفهومة رغم أنها تحمل قيمة فنية كبيرة... كما أشار إلى دوره في فيلم فرنسي نال به جائزة سيزار لعب فيه دور (بقال) مسلم يساعد طفل غير مسلم وكذلك أشار إلى دوره في فيلم (حسن ومرقص) الذي أراد عبر تمثيله ايصال رسالة أن المسلمين والمسيحيين أخوة في وطن واحد.
أما المخرج أحمد ماهر فقال أن الاعتماد على دلالات (تواريخ) بالأفلام يفسدها وأن تعرض الفيلم لثلاثة أيام في حياة البطل تمثل فقط عملية تزامن مع حقبة تاريخية دون أي دلالة لهذه الفترات!!!
أما السيناريست ممدوح الليثي رئيس مهرجان الاسكندرية فقد دافع عن اختيار الفنانة (سيرين عبد النور) كممثلة عربية حيث أكد أن اتحاده يشمل كل الفنانين العرب والمصريين المرحب بهم في مصر.
الغريب أن كل هذه المواقف تغيرت تماما بعد أن منع الفيلم من العرض من مصر لمدة قاربت العامين .. عامين ظهرت فيها المشاعر الحقيقية وتقلبت فيها القلوب .. واستمرت العاصفة!!