هل كانت المصارعة الرومانية تسيطر على روما كما نراها فى الأفلام؟

الأحد، 29 مارس 2026 10:00 ص
هل كانت المصارعة الرومانية تسيطر على روما كما نراها فى الأفلام؟ فيلم المصارع

أحمد إبراهيم الشريف

حين نرى روما على الشاشة، فى أعمال سينمائية ودرامية تبدو المدينة فيها وكأنها تعيش داخل حلبة المصارعة، وكأن العالم كله يتوقف عند صراع رجلين حتى الموت، والجمهور يهتف، والإمبراطور يقرر المصير بإشارة من يده، وهذه الصورة، رغم قوتها الدرامية تختزل واقعًا أكثر تعقيدًا، وتحول ظاهرة تاريخية إلى مشهد واحد مكرر، فهل كانت المصارعة فعلًا تسيطر على روما بهذا الشكل؟

الحقيقة أن المصارعة كانت بالفعل من أهم مظاهر الحياة العامة فى روما، لكنها لم تكن الحياة كلها، ويوضح جاريت فاجن فى كتابه "جاذبية الساحة: علم النفس الاجتماعى والجمهور فى الألعاب الرومانية" أن الألعاب كانت جزءًا من منظومة أوسع للفرجة العامة، تشمل سباقات العربات والعروض المسرحية وصيد الحيوانات، وأن جاذبيتها لا يمكن فهمها فقط من زاوية العنف، بل من خلال علم نفس الحشود، والشعور الجماعى بالإثارة والانتماء.

مشهد من فيلم المصارع
مشهد من فيلم المصارع

 

هذا يعنى أن الرومان لم يكونوا مجرد جمهور متعطش للدم، بل كانوا يتفاعلون مع حدث مركب من عرض ومنافسة وطقس اجتماعى فى آن واحد، وهنا تبدو المصارعة أقرب إلى "مسرح مفتوح" للقيم الرومانية، حيث تعرض الشجاعة والتحمل والانضباط والهزيمة والموت، فى صورة مرئية مباشرة.

وهل كانت كل مبارزة تنتهى بالموت كما تقول الأفلام؟

الإجابة: لا.
تشير دراسات حديثة، منها ما أورده مايكل كارتر فى "دليل أكسفورد للرياضة والاستعراض فى العالم القديم" إلى أن المبارزات كانت تخضع لقواعد، وأنها لم تكن دائمًا حتى الموت، بل يمكن أن تنتهى بالهزيمة أو الاستسلام، لأن المصارع نفسه كان "استثمارًا" مكلفًا يحتاج إلى تدريب وإعداد.

وتؤكد أليسون فوتريل فى كتابها "الألعاب الرومانية" أن هذه الألعاب كانت منظمة بعناية، وأن اختيار الخصوم كان يتم وفق توازن مقصود بين أنواع السلاح والمهارة، بما يجعل العرض مفهومًا ومثيرًا للجمهور، لا مجرد فوضى دموية.
إذن، نحن أمام نظام، لا أمام فوضى، وهنا يكمن أول اختلاف بين التاريخ والسينما.
الاختلاف الثاني يتعلق بفكرة الانتشار، نعم، كانت المصارعة واسعة الانتشار، وحاضرة بقوة فى الحياة العامة، لكن روما لم تكن مدينة "تعيش فى الكولوسيوم"، فبحسب كيث هوبكنز ومارى بيرد فى كتابهما "الكولوسيوم" فإن الألعاب كانت وسيلة من وسائل الترفيه والسياسة، لكنها جزء من منظومة أكبر تشمل الدين والإدارة والاقتصاد والحياة اليومية. 

المصارع
المصارع


بمعنى آخر المصارعة كانت مهمة، لكنها لم تكن وحدها، غير أن ما يمنحها هذا الحضور الطاغى فى الذاكرة هو بعدها السياسى.
فقد كانت هذه العروض وسيلة لإظهار قوة الدولة وسخاء الحكام، حيث ينفق الإمبراطور أو النخبة على تنظيمها لكسب رضا الجمهور، وتوضح أليسون فوتريل فى كتابها "دماء فى الساحة" أن هذه الألعاب كانت أداة لإنتاج الهيبة السياسية، وليست مجرد ترفيه
أما المفارقة الأهم، فتتعلق بالمصارع نفسه، فبحسب موسوعة أكسفورد للبحوث الكلاسيكية، كان المجالد ينتمى إلى طبقة اجتماعية متدنية تعرف بـ infames ومع ذلك كان يحظى بإعجاب شعبى واسع، وقد يتحول إلى نجم جماهيرى، هذه الازدواجية، نجم ومهمش فى آن واحد، هى ما جعلت شخصية المجالد قابلة للتحول إلى بطل  فهو إنسان يقف على الحد الفاصل بين المجد والعار.

حلبة الموت
حلبة الموت

تبقى مسألة الإشارة الشهيرة الإبهام لأعلى أو لأسفل، هذه الصورة التى ترسخت فى الأفلام لا تستند إلى دليل تاريخى قاطع، ويشير دونالد كايل فى كتاب مشاهد الموت فى روما القديمة إلى أن دلالات الإشارات فى المدرج ليست محسومة، وأن الصورة الحديثة قد تكون إعادة تفسير لاحقة أكثر منها حقيقة تاريخية 

وهنا نصل إلى السؤال الأساسى، لماذا تبدو المصارعة فى الأفلام وكأنها تسيطر على روما؟
الإجابة بسيطة ومعقدة فى الوقت نفسه، لأنها أكثر عناصر الحضارة الرومانية درامية، وأكثرها قابلية للتحويل إلى صورة بصرية مكثفة، السينما اختارت هذا العنصر، ثم وسعته حتى صار مرادفًا للعالم كله.
لكن التاريخ يقول غير ذلك، يقول إن روما كانت أكثر تعقيدًا، وأن المصارعة كانت جزءًا من شبكة واسعة من الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة