نتابع سلسلة مقدمات الكتب ونتوقف اليوم مع كتاب "الانقراض السادس: تاريخ لا طبيعي" تأليف إليزابيث كولبرت، والذي صدرت ترجمته عن سلسلة عالم المعرفة، بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ترجمة أحمد عبد الله السماحي، فتح الله الشيخ.
يعرض كتاب "الانقراض السادس: تاريخ لا طبيعي" صورة مقلقة لمصير الكائنات على الأرض، إذ تتتبع إليزابيث كولبرت، بأسلوب يجمع بين البحث العلمي والسرد الصحفي، تاريخ فكرة الانقراض منذ ظهورها في العلم الحديث، ثم تنتقل إلى أمثلة حية من عالم الحيوان والنبات والشعاب المرجانية والأنواع المهددة أو التي اختفت بالفعل، وتؤكد المؤلفة أن ما يحدث ليس مجرد تغير طبيعي عابر، بل تحول واسع النطاق يدفع إليه النشاط البشري نفسه، بما يجعل الإنسان قوة جيولوجية وبيئية قادرة على إعادة تشكيل الحياة على الكوكب، لذلك فالكتاب لا يتحدث فقط عن اختفاء بعض الأنواع، بل يطرح سؤالًا أعمق عن معنى أن يكون الإنسان هو الكائن الذي يهدد العالم الذي يعيش فيه.
وجاء في تمهيد الكتاب:
يقال إن البدايات تتسم عادة بالغموض، والأمر ذاته ينطبق على هذه القصة التي تبدأ مع ظهور نوع جديد، ربما منذ مائتي ألف سنة. وهذا النوع – مثل كل الأشياء الأخرى - لا يحمل اسماً حتى الآن، ولكنه يمتلك القدرة على تسمية الأشياء.
وكما هي الحال بالنسبة إلى أي نوع فتي، فقد اتسم وضع هذا النوع بعدم الاستقرار، فأعداده كانت قليلة، في حين اقتصر نطاق وجوده على حيز صغير من شرق أفريقيا. وبعد أن تزايدت أعداده ببطء، فإنها على الأرجح عادت إلى التناقص مجددًا لتصل إلى مجرد بضعة آلاف من الأزواج، حيث يزعم بعض المراقبين أن هذا التناقص بلغ حدًا جعله يوشك على الفناء.
ومع أن أفراد هذا النوع لم يكونوا يتميزون بالسرعة أو القوة أو الخصوبة على وجه التحديد، فإنهم كانوا يتفردون بكونهم واسعي الحيلة؛ فقد اندفعوا تدريجيًا نحو مناطق ذات مناخات مختلفة، وتوجد فيها حيوانات مفترسة وفرائس مختلفة؛ إذ لا يبدو أن أياً من القيود المعتادة المرتبطة بالموطن الطبيعي أو الجغرافي حال دون قيامهم بذلك، فقد عبروا الأنهار والهضاب وسلاسل الجبال، وفي المناطق الساحلية جمعوا المحار؛ ثم توغلوا في المناطق الداخلية لصيد الثدييات، وأينما حلوا كانوا يتأقلمون ويبتكرون. وعندما وصلوا إلى أوروبا قابلوا مخلوقات تشبههم إلى حد كبير، ولكنها كانت أكثر بدانة وقوة منهم، حيث كانت تعيش على تلك القارة منذ فترة أطول بكثير، لقد تزاوجوا مع تلك المخلوقات، ثم - بطريقة أو بأخرى - قضوا عليها.

الانقراض السادس
وسيتبين أن نهاية هذه العلاقة ستكون نموذجًا لما سيحدث؛ فمع اتساع انتشار هذا النوع، أصبح يلتقي بحيوانات أضخم منه بنحو مرتين أو عشر مرات، أو حتى عشرين مرة: قطط ضخمة ودببة هائلة وسلاحف حجمها كالفيلة، وحيوانات الكسلان التي يبلغ طولها أكثر من خمسة عشر قدمًا، كانت هذه الأنواع أقوى، وفي أغلب الأحيان أكثر شراسة، لكنها كانت أبطأ في التكاثر، ولذلك قُضي عليها.
وعلى الرغم من أننا كائنات برية، فإن نوعنا - الذي يعرف بابتكاره الدائم – قد عبر البحار، ووصلنا إلى جزر مأهولة بواسطة كائنات خارج التطور: طيور تضع بيوضًا يبلغ طول الواحدة منها قدمًا، وأفراس نهر في حجم الخنازير، وأنواع من السحالي العملاقة. وحيث إن هذه المخلوقات تألف الانعزال، فإنها كانت غير مؤهلة للتعامل مع الوافدين الجدد، أو مع رفاق أسفارهم الذين كان معظمهم من الجرذان، فاستسلم كثيرون منها أيضًا. استمرت هذه العملية بشكل متقطع آلاف السنين، إلى أن انتشر هذا النوع، الذي لم يعد جديدًا على الإطلاق، في كل ركن من أركان الأرض. وفي تلك اللحظة، حدثت أشياء عديدة دفعة واحدة، سمحت للإنسان العاقل (Homo sapiens) بأن يتكاثر بمعدل غير مسبوق. وخلال قرن واحد تضاعفت أعداد هذا النوع، ثم تضاعفت مرة ثانية وثالثة. اقتُلعت غابات شاسعة. فعل البشر ذلك عن عمد للحصول على الطعام، وعلى نحو أقل تعمدًا نقلوا الكائنات الحية من قارة إلى أخرى، وأعادوا تشكيل الغلاف الحيوي.
وفي غضون ذلك، كان يجري تحول أكثر حدة وغرابة، فمع اكتشاف مخزونات الطاقة تحت الأرض، بدأ البشر في تغيير تركيب الغلاف الجوي، وهذا بدوره أدى إلى تغيير المناخ وكيمياء المحيطات. تكيفت بعض النباتات وبعض الحيوانات عبر الانتقال، فتسلقت الجبال وهاجرت تجاه القطبين، لكن أعدادًا كبيرة منها - في البداية بالمئات ثم بالآلاف وربما وصل العدد في النهاية إلى الملايين - وجدت نفسها وقد تقطعت بها السبل، فارتفعت معدلات الانقراض وتغير نسيج الحياة.
لم يسبق لأي مخلوق على هذا الكوكب أن غيّر الحياة بهذا الشكل من قبل، لكن وقعت أحداث مشابهة أخرى. في حالات نادرة جدًا في الماضي السحيق تعرض هذا الكوكب لتغير مدمر أدى إلى هبوط مفاجئ في تنوع الحياة. كانت خمسة من هذه الأحداث كارثية بما فيه الكفاية؛ لدرجة أنها وضعت في تصنيف خاص بها: سميت بـ"الخمسة العظام" Five Big. وفيما يبدو أنها مصادفة مذهلة، لكنها على الأرجح ليست مصادفة على الإطلاق.
يُستعاد تاريخ هذه الأحداث في وقت يدرك فيه البشر أنهم يتسببون في حدث مماثل. من المبكر القول إن هذا الحدث سيصل إلى حجم "الخمسة العظام"، فقد أصبح يُعرف بـ"الانقراض السادس".
تأتي قصة "الانقراض السادس"، على الأقل كما اخترت أن أرويها، في ثلاثة عشر فصلًا. يتتبع كل فصل أحد الأنواع التي تعتبر رمزية بشكل أو بآخر – الماستودون الأمريكي، وطائر الأوك الكبير، والأمونيت – التي اختفت بنهاية العصر الطباشيري في الوقت نفسه الذي اختفت فيه الديناصورات. المخلوقات التي نتناولها في الفصول الأولى قد اختفت بالفعل. ويتعلق هذا الجزء من الكتاب - في الأغلب - بالانقراضات العظمى التي حدثت في الماضي، والتاريخ الشائك لاكتشافها بدءًا من أعمال العالم الطبيعي الفرنسي جورج كوفييه.
ويتناول الجزء الثاني من الكتاب ما يجري في وقتنا الحالي إلى حد كبير، بدءًا من غابات الأمازون المطرية التي تتآكل بشكل متزايد، مرورًا بالمنحدرات التي تشهد ارتفاعًا سريعًا للحرارة في جبال الأنديز، وصولًا إلى التخوم الخارجية للحيد المرجاني العظيم. وقد اخترت الذهاب إلى هذه المواقع المحددة للدواعي الصحفية المعتادة، وذلك إما بسبب وجود محطة أبحاث هناك وإما لأن أحد الأشخاص دعاني لمرافقته في رحلة استكشافية. إن حجم التغيرات التي تجري الآن كبير لدرجة أنه كان يمكنني الذهاب إلى أي مكان، والعثور - إذا ما توافر لي التوجيه السليم - على دلائل على هذه التغيرات.
ويتناول أحد الفصول عملية نفوق تجري بصورة أو بأخرى في فنائي الخلفي (وربما في فنائك أنت أيضًا).
إذا كان الانقراض موضوعًا رهيبًا؛ فإن الانقراض الجماعي الكاسح أكثر رهبة، وهو مثير للاهتمام أيضًا، وسأحاول في الصفحات التالية أن أغطي كلا الجانبين: الإثارة الناتجة عما نتعلمه، وكذلك الرعب الذي يسببه. وأملي أن يتوصل قراء هذا الكتاب إلى إدراك خطورة اللحظة الاستثنائية التي نعيش فيها.