في دهاليز المكاتب وبين جدران بعض الشركات الباردة، تدور رحى معارك ضارية، سلاحها "الدسيسة" ووقودها "الأنانية"، هناك، تجد فئة من البشر لا تقتات إلا على ضجيج الصراعات، ولا تتنفس إلا في مناخات التوتر المحموم.
هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم أباطرة في ممالك من ورق، يرتكبون كل الموبقات المهنية والإنسانية، ويبيعون الود بزهيد الثمن، فقط من أجل اعتلاء منصة أو الفوز بلقب، غافلين عن الحقيقة الكبرى: أن الكراسي في بيئة العمل ليست إلا "كراسي حلاقين"، مهما طال الجلوس عليها، سيأتي وقت ينهض فيه الجالس مرغماً ليحل محله آخر، تاركاً خلفه أثراً من ذكرى، إما عطرة أو منفرة.
الغريب في الأمر أن هؤلاء "المقاتلين في غير معركة" لا يتعلمون من تجارب التاريخ القريب، ولا يدركون أن "الكرسي" الذي يستميتون في تثبيت أركانه هو في الحقيقة "كرسي متحرك" لا يستقر على حال.
إنهم ينسجون شباك الكراهية حول أنفسهم، ويحصدون من الزملاء نظرات الريبة والنفور، ظناً منهم أن الهيبة تصنعها "الأختام" و"المناصب"، بينما الحقيقة أن الاحترام يُنتزع بالترفع لا بالتسلق على أكتاف الآخرين.
وحين تدق ساعة الرحيل، ويجد الواحد منهم نفسه فجأة فوق "رف النسيان"، يبدأ شريط الندم في العرض المتأخر.
هناك، خلف ستارة التقاعد أو الاستبعاد، يكتشفون أن المعارك كانت "مجانية"، وأن الانتصارات الزائفة لم تكن سوى هزائم نفسية نكراء، يدركون -بعد فوات الأوان- أن الرزق "مكتوب ومعلوم"، وأن الهرولة خلفه بأساليب ملتوية لن تزيد في المكتوب ذرة، بل تنقص من كرامة صاحبه جبالاً.
إن الصراع في بيئة العمل حين يتجاوز حدود المنافسة الشريفة يصبح "صراعاً واهياً" يستهلك العمر والأعصاب فيما لا طائل منه.
الحياة المهنية ليست حلبة للملاكمة، بل هي رحلة قصيرة الأمد، العبرة فيها بما نتركه من أثر لا بما نكنزه من مسميات وظيفية زائلة.
لذا، وقبل أن ترفع السيوف في وجه زملائك، تذكر أنك مجرد عابر سبيل فوق ذلك المقعد، وأن الأجمل من اعتلاء المنصب هو الخروج منه بقلب سليم وسمعة لا تشوبها شائبة.
فيا أيها اللاهثون خلف السراب، استقيموا يرحمكم الله، فإن دوام الحال من المحال، وما يبقى للمرء إلا طيب الأثر.