في شهر رمضان الماضي دعاني، وصديقي حسين عبد العزيز، المترجم د. عبد الله عبد العاطي النجار لزيارة المتحف المصري الكبير الذي يبهر كل من يزوره بما فيه من آثار ناطقة تتحدث عن براعة وإبداع المصري القديم الذي سبق العالم بآثاره هذه، وصنع ما يعجز العالم كله أن يصنعه الآن رغم ما لديه من وسائل تكنولوجية تحوّل الصلب إلى سائل في طرفة عين.
ورغم أن الزيارة كانت في رمضان، وأنها لم تستغرق سوى ساعتين لأننا وصلنا متأخرين والمتحف يغلق أبوابه في الخامسة حسب مواعيد الشهر الكريم، إلا أنها كانت زيارة ممتعة ومفيدة فتحت شهيتنا لزيارات قادمة لنتمكن من زيارة كل شبر في المتحف حيثما يتجسد تاريخ أجدادنا القدماء مشيرًا إلى إنجازاتهم وإلى ما صنعته أياديهم من آلاف السنين ولا يزال يحتفظ بطزاجته كأنه صُنع منذ أيام قليلة، وقبل أن نزوره للمرة القادمة وجدت أنه من المفيد لي، وربما لمن سيزوره في ما بعد، أن يقرأ كتاب "المتحف المصري الكبير.هدية مصر للعالم" الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة من تأليف د. الشيماء محمد عيد الذي تهديه لقلب مصر الوطن الذي يُلهم الدنيا بسره العتيد، وتذكر فيه أن المتحف المصري الكبير، في أحضان الهضبة الصحراوية حيث تلامس سماء الجيزة أفق التاريخ، يقف صرحًا يحوي آثار الفراعنة، وشاهدًا على حوار خالد بين الماضي والمستقبل.

المتحف المصري
فن هندسي
هنا، تقول الشيماء، حيث كانت تُبنى الأهرامات منذ آلاف السنين بفن هندسي ما زال يحير العلماء، تُبنى اليوم رؤية جديدة تجمع بين عظمة التراث وذكاء الاستدامة، لتثبت أن مصر لم تتوقف عن إبهار العالم، مشيرة إلى أن كتابها هذا ليس مجرد رحلة بين قاعات المتحف الممتلئة بالكنوز الذهبية، بل هو استكشاف لكيفية تحول هذه التحفة المعمارية إلى نموذج عالمي للاستدامة البيئية، متسائلة كيف استطاع المتحف أن يوظف تكنولوجيا العصر ليحفظ مقتنياته دون أن يثقل كاهل الأرض؟ وكيف تحولت مساحاته الخضراء إلى "رئة" تنقّي هواء القاهرة؟ وما الدروس التي يمكن أن نستقيها من حكمة الفراعنة لمواجهة تحديات المناخ اليوم.
الشيماء التي ألفت كتابها هذا لأن المتحف المصري الكبير ليس مكانًا للزيارة فقط، بل هو قصة تُحكى عن شعب يُعيد اكتشاف جذوره ليبني مستقبلًا أخضر، تذكر هنا أن مصر منذ فجر التاريخ قد شكلت مهدًا لحضارات عظيمة تركت بصماتها في شتى مجالات الحياة، وكان للثقافة والآثار النصيب الأكبر من هذا الإرث، مشيرة إلى أن مفهوم المتحف في مصر تطور من كونه مكانًا مقدسًا لحفظ الرموز الدينية في العصور القديمة إلى مؤسسة متخصصة في الحفاظ على التراث الثقافي والهوية الوطنية، مؤكدة أن تطور المتاحف في مصر لا يعكس فقط تاريخ البلاد الطويل والممتلئ بالأحداث، بل أيضًا تطور الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي لدى الدولة والمجتمع، موضحة أن المفهوم الأساسي للمتحف في مصر القديمة لم يكن معروفًا بالشكل الحديث، غير أن المصريين القدماء مارسوا أشكالًا من الحفظ والعرض، وتمثل المقابر الملكية نموذجًا أوليًّا للمتحف، حيث كانت تُحفظ فيها المقتنيات الجنائزية والنصوص الدينية والرموز الملكية بعناية فنية وتنظيم رمزي.
مشروع ثقافي
هنا تخبرنا الكاتبة أن مشروع المتحف المصري الكبير المقام بجوار أهرامات الجيزة يعد من أكبر المشروعات الثقافية في العالم، ويضم أكثر من مائة ألف قطعة أثرية من بينها المجموعة الكاملة لتوت عنخ أمون، كما يتميز بتقنيات رقمية حديثة تشمل الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي والعروض التفاعلية، مما يضعه في مصاف المتاحف العالمية الحديثة، واصفة إياه بأنه يمثل ذروة ما أنجزته مصر في عالم المتاحف، تاجًا يتوج مسيرة طويلة من الحفاظ على تراثها العريق، مسيرة تعكس في مصر تطورًا حضاريًّا وثقافيًّا ممتدًا من العصر الفرعوني إلى الرقمنة المعاصرة، موضحة أن المتاحف لم تعد فقط أوعية لحفظ التراث، بل مؤسسات فاعلة في تشكيل الهوية الوطنية والتعليم والدبلوماسية الثقافية، ومع افتتاح المتحف المصري الكبير، على حد تعبير الشيماء، تدخل مصر عصرًا جديدًا من التأثير الثقافي العالمي، ذاكرة أن عبقرية الحاضر التقت بحكمة الماضي في موقع بناء تبلغ مساحته 790 ألف متر مربع، عمل فيه المئات من العمال المصريين جنبًا إلى جنب مع خبراء عالميين، يتشاركون جميعًا في إقامة صرح يحفظ تراث مصر العريق مع الحفاظ على بيئتها بدأت من حجر الأساس نفسه الذي لم يوضع فقط ليرفع الجدران، بل ليرفع معها سقف الطموح المصري لمتحف مستدام، تحكي كل قطعة فيه قصة التوازن الدقيق بين متانة الأهرامات ورقّة الفكرة الخضراء.
كان التحدي الأكبر، تقول الكاتبة، هو خلق تحفة معمارية تتنفس الاستدامة من كل زاوية، بداية من عبقرية اختيار الموقع الذي يتيح رؤية بصرية استثنائية، حيث من هذا الموقع فقط يمكن للزائر أن يرى الأهرامات الثلاثة في تناغم هندسي مذهل، وكأنها لوحة فنية رسمتها يد التاريخ، ذاكرة أن المتحف صُمم ليكون آلة زمن حقيقية، إذ عندما يدخله الزائر يبدأ رحلته من عصر ما قبل الأسرات، مرورًا بالعصور الفرعونية المختلفة، وصولًا إلى العصرين اليوناني والروماني، في رحلة تمتد لخمسة آلاف عام من التاريخ، وقد تم تقسيم قاعاته الاثنتي عشر بحسب العصور التاريخية، صممت كل منها بعناية فائقة لتجسد روح الفترة التي تعرضها، مشيرة إلى أن وراء كل هذه العجائب تقف قصة إنسانية لا تقل روعة: اثنا عشر عامًا من العمل الدءوب، مشاركة ثلاثين دولة بخبراتها، آلاف العمال المصرين الذين نحتوا الحلم بحرفية ورثوها عن أجدادهم البنائين، حتى التحديات الهندسية كبناء هيكل ضخم على تربة صخرية تحولت إلى فرص للابتكار، تمامًا كما حول المصريون القدماء تحدياتهم إلى معجزات.

عاطف عبد المجيد
عظمة الحضارة المصرية
الكاتبة التي سعت في رحلتها عبر صفحات هذا الكتاب إلى اكتشاف عظمة الحضارة المصرية القديمة التي شكلت جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الإنسانية، تنقلت بين قصص الملوك العظام من بناة الأهرامات إلى فراعنة أعادوا صياغة مفهوم القوة والدين والمجتمع، مستعينين بالمتحف المصري الكبير كمرآة تعكس هذا الإرث العريق، لم يكن هدفها أن تسرد التاريخ فحسب، بل إحياء تلك اللحظات التي صنعتها شخصيات مثل توت عنخ أمون، رمسيس الثاني، وحتشبسوت، من خلال عدسة المتحف التي تجمع بين العلم والفن، مشيرة إلى أن المتحف أظهر دوره كمنصة حية لا مجرد مستودع للآثار، بل كجسر يربط الماضي بالحاضر، مبرزًا التنوع الثقافي والاجتماعي لمصر القديمة، آملة أن تكون هذه الرحلة قد منحت القارئ فهمًا أعمق لما قدمته الحضارة المصرية للعالم، ليس فقط كآثار مادية، بل كمصدر إلهام وهوية، وبهذا المعنى فإن المتحف المصري الكبير ليس مجرد هدية من مصر لشعبها، بل للعالم أجمع، يذكرنا بأن التاريخ ليس مجرد ذكرى، بل دعوة للتأمل والمضي قدمًا، وكما قال هيرودوت ذات يوم: "مصر هبة النيل"، يحق لنا أن نضيف أن "المتحف المصري الكبير هو هبة مصر للمستقبل".
وبعد..يمكنك عزيزي أن تزور المتحف لترى، مستمتعًا، ما فيه من آثار فاتنة ومبهرة، ويمكنك أن تقرأ هذا الكتاب لتعرف الكثير مما لم تكن تعرفه عنه، لكنك إن أردت أن تنال الحُسنيين فعليك أن تقتني هذا الكتاب وأن تذهب لزيارة المتحف لتشاهد بأم عينيك ما قرأته فيه متجسدًا أمامك، يفصل بينكما فقط حاجز زجاجي.