تحل ذكرى رحيل الأديب الروسي الكبير مكسيم جوركي (1868–1936)، الذي يُعد من أبرز الأسماء المؤسسة للأدب الروسي الحديث، لما أحدثه من تحول جذري في طبيعة الكتابة الأدبية ووظيفتها داخل المجتمع.
ارتبط اسم جوركي بتأسيس تيار الواقعية الاشتراكية، الذي انطلق من رؤية ماركسية تعتبر الأدب انعكاسًا للواقع الاقتصادي والاجتماعي، وأداة فاعلة في تغييره. ومن خلال هذا التوجه، دعا إلى توظيف الأدب لخدمة قضايا المجتمع، خاصة الطبقات المهمشة والعمال.
تميّزت أعمال جوركي بتركيزها على شخصيات من قاع المجتمع، مثل الفقراء والمشردين، مقدّمًا صورة واقعية قاسية لحياتهم، كما في مسرحيته «الأعماق السفلى» (1902)، أما روايته «الأم» (1906)، فتمثل نموذجًا مبكرًا للأدب البروليتاري، حيث تجسد تحوّل الوعي الفردي إلى وعي جماعي قائم على النضال.
وقد أسهم جوركي في نقل الأدب الروسي من مرحلته الكلاسيكية إلى مرحلة جديدة أكثر ارتباطًا بالقضايا الاجتماعية والسياسية، كما لعب دورًا مهمًا في تشكيل ملامح الأدب السوفيتي الناشئ، من خلال دعمه لنشر الوعي الاجتماعي، رغم تعقيد علاقته بالسلطة لاحقًا.
وعلى المستوى السياسي، كان جوركي مؤمنًا بالفكر الماركسي، ودعم الحركة الثورية الروسية، حيث تبرع بجزء من عائدات أعماله لصالح الحزب البلشفي، وتعرض للاعتقال خلال أحداث الثورة الروسية 1905.
كما سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية سعيًا للحصول على دعم مالي للحركة الثورية، حيث لقي استقبالًا رسميًا، بل واستقبله الرئيس ثيودور روزفلت في البيت الأبيض، قبل أن تتدخل السلطات القيصرية لتشويه صورته.
غادر جوركي روسيا عام 1906، واستقر في جزيرة كابري الإيطالية لعدة سنوات، قبل أن يعود عام 1913. وبعد الثورة البلشفية 1917، عبّر عن تحفظاته تجاه بعض ممارسات السلطة الجديدة، وهو ما وضعه في موقف معقد، خاصة في ظل حكم جوزيف ستالين، حيث تشير بعض الروايات إلى احتمال تعرضه للتصفية.
وبفضل إسهاماته الأدبية والفكرية، ظل جوركي علامة فارقة في تاريخ الأدب، ومرجعًا أساسيًا لفهم العلاقة بين الأدب والمجتمع.