حسين السيد يكتب: الفارس الجميل (1)

السبت، 28 مارس 2026 06:00 م
حسين السيد يكتب: الفارس الجميل (1) رواية الفارس الجميل

قرأت رواية الفارس الجميل لعلى أحمد باكثير، وهى فى الأصل ثلاث حلقات نشرها فى مجلة "القصة" عام 1965، وكتب المقدمة لها الأستاذ أبو بكر البابكرى، ونشرت ضمن مطبوعات مكتبة "مصر" بداية يناير 1993.

استقر رأى الأستاذ أبى بكر فى نهاية مقدمته على أن المغزى الرئيسى للرواية هو التنبؤ بهزيمة يونيو 1967، وزعم أن ثمة شبها بين سياسة جمال عبدالناصر وعبدالله بن الزبير من حيث بعض الصفات السلبية، ومن جانبى لا أوافقه على هذا الطرح، أو هذه النتيجة التى خرج بها من الرواية.
فى البداية، لا بد من قراءة الرواية قراءة واعية، قراءة تكشف لنا المراد منها، إما لتأكيد الطرح السابق وهو التنبؤ بالهزيمة، وإما لأنه يحذر من سياسة التفرقة والتشتت والانقسام والصراعات.

الفارس الجميل
الفارس الجميل


تتعرض الرواية لفترة الصراع بين عبدالله بن الزبير وعبدالملك بن مروان، ومن منهما أحق بالخلافة الإسلامية، واستعمل ابن الزبير أخاه مصعبا قائدا لجيشه يحارب به المتمردين على خلافته، الخارجين على طاعته، فقضى على فتنة المختار بن أبى عبيد الثقفى، وبعد أن ذلل له أمر الخلافة بالعراق، أمره بالخروج إلى الشام لمحاربة عبدالملك بن مروان، ليبسط نفوذه على جميع أرجاء الدولة الإسلامية، وتتوحد كلمة المسلمين، وتكون تحت إمرته.
تتحدث الرواية إذن عن "الفارس الجميل" مصعب بن الزبير، هذا الفارس الذى توفرت له كل مقومات القيادة والزعامة من حيث الكرم والشجاعة والفروسية والوسامة والقسامة، كانت تراه زوجته "سكينة بنت الحسين" الأجدر والأحق بالخلافة من أخيه عبدالله، وكثيرا ما حدثته بل شجعته على خلع أخيه وتنصيب نفسه أميرا للمؤمنين، أو الاستقلال بالعراق عن أخيه. لكن ما يعيب مصعب، وهو عيبه الوحيد، تعلقه بالنساء، فقد كان يجمع بين امرأتين من أجمل نساء قريش، هما "سكينة بنت الحسين" المشهورة بذات الجمة، و"عائشة بنت طلحة بن عبيد الله" المشهورة بالجمال والدلال، وكانت بينهما منافسة للفوز بقلب الزوج الحبيب، إضافة إلى زوجتين أخريين، إحداهما قريبة له، أما "سكينة" فقد تزوجت مصعبا لأنها رأت فيه فارسا مغوارا، يمكنه أن يثأر لأبيها الحسين من بنى أمية، فهى مشغولة بتحقيق هذه الغاية التى سيطرت على عقلها بل على قلبها أيضا، وعلى استعداد لأن تذهب مع زوجها إلى ساحة الوغى وإلى الشام للانتقام، ورغم أنها تحب مصعبا حبا صادقا، لكنها لا تظهر له من حبه إلا القليل.

حسين السيد
حسين السيد


أما "عائشة" فلم تكن لتشغلها مسائل الحروب والقتال، لكنها يشغلها الاهتمام بالزينة والخروج إلى المجتمع ونومها إلى الضحى، وهنا نقل باكثير عن صاحب "الأغانى" ما أورده فى ترجمتها من حبها للظهور، وإذا غار عليها مصعب قالت له: إن الله تبارك وتعالى وسمنى بميسم الجمال، أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلى عليهم فما كنت لأستره.

كان مصعب ينقم على أخيه عبدالله سوء سياسته فى تصريف بعض الأمور ومعالجتها، ما يجعل الناس تنصرف عنه، منها البخل الشديد الذى اشتهر به، وعدم تقديره لقادة العراق التقدير اللائق بهم، بعد أن أعانوا مصعبا على القضاء على المختار الثقفى وأعوانه، فحرمهم عبدالله من العطاء، بل أحرجه أمامهم، ونال منهم، فقال له ولهم: وددت والله أن لى بكل عشرة منهم رجلا من أهل الشام، يصرف الدينار بالدرهم! لكنه كان منصاعا إليه، لا يستطيع أن يخالفه، أو ينشق عنه، فهو أخوه الأكبر وله الكلمة عليه.

حاول مصعب بشتى الطرق أن يتحاشى محاربة عبدالملك بن مروان ويتجنب لقاءه، فانشغل بالمختار وحاصره إلى أن تخلص منه، ووافق على قتل أصحاب المختار مستسلما لأوامر أتباعه، وكان فى مقدوره أن يبقيهم أحياء، لكنهم لما عرضوا عليه وتوسلوا إليه أن يحاربوا ضمن صفوف جيشه ضد بنى أمية، رفض وقتل فى يوم واحد ثلاثة آلاف رجل، حتى لا يذكروه بلقاء عبدالملك. كان يعلم أن فرص تغلبه على عبدالملك ضئيلة، وأن الأمر قد أدبر عن آل الزبير وآل إلى عبدالملك، فأهل العراق ليسوا على قلب رجل واحد وليسوا طوع أمره كما هى الحال بالنسبة إلى جند الشام لعبدالملك، فهم أهل شقاق ونفاق، لم يسمعوا كلام مصعب فى كثير من الأمور، فهم الذين اقترحوا عليه قتل أصحاب المختار.

ولم يكن يرغب فى قتلهم أو ذبحهم بهذه الوحشية، فاستسلم لهم، وأرغموه على قتلهم. وهم الذين غدروا بزوجة المختار "عمرة بنت النعمان بن بشير" بعد أن ظلت على ولائها لزوجها المقتول، ورفضت أن تتبرأ منه، أو أن تكفره، فأمر مصعب بردها إلى أهلها بالحيرة، لكن أتباعه لم يمتثلوا لأمره، وقتلوها فى الطريق، وندد الشاعر عمر بن أبى ربيعة فى أبيات شعرية له سارت بها الركبان بطريقة قتلها الوحشية. كما رفض اتباعه أن يذعنوا له عندما أراد أن يستقدم القائد المهلب بن أبى صفرة بجيشه الذى كان يحارب الخوارج بفارس للقتال معه، وقالوا له: لا نسير معك ونترك البصرة هدفا للخوارج ما لم تترك المهلب يقاتلهم دوننا. فانصاع مصعب لرأيهم.

بعد عودته من الحجاز ومقابلة أخيه له ولوفد العراق، هذه المقابلة التى ما كان يتمناها مصعب، حيث كانت لها الأثر السيئ فى نفس مصعب وفى نفس أهل العراق، فلم تعد لديه الرغبة والحماس فى مواصلة القتال، فقد علم أن الأمر سيكون لعبدالملك وليس لأخيه، فعبدالملك يمتاز بالمكر والدهاء والحيلة والكرم وهى صفات اكتسبها من معاوية بن أبى سفيان، وتقرِّب الناس إليه، أما عبدالله فمعروف عنه التقتير والشح والصرامة والجد، وهى صفات لا تمكنه من أن يكون خليفة للمسلمين، أو أن ينقاد إليه أهل العراق ويكونوا رهن إشارته.

أراد مصعب حقن دماء المسلمين، ففكر فى مقابلة عبدالملك بن مروان بعد أن زحف إليه بجيشه، لعله يؤثِّر فيه فيعود قافلا إلى بلاد الشام، واقتنع مصعب بصحة فكرته، ولم لا وعبدالملك صديقه منذ أيام الطفولة؛ حيث كانا يلعبان ويمرحان فى المدينة، ويعرف حجم مكانته لدى صديقه؟!

يلتقى مصعب عبدالملك الذى استقبله أحسن استقبال، وتحدثا حديث الأصدقاء، فتذكرا أيام الصبا واللهو البرىء وأيام أنسهما، وعرض عليه عبدالملك أن يستقيل من ولاية أخيه ويقطعه أرضا بالشام تظل له ولأولاده من بعده، ويعيش عيشا رغدا بعيدا عن الصراعات، لكن مصعبا يأبى بشدة هذا المقترح، ويحاول أن يقنعه أن الأمر لأخيه عبدالله لأنه أفضل منه، فهو ابن الزبير بن العوام حوارى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل من مروان بن الحكم، وأمه أسماء بنت أبى بكر الصديق وهى أفضل من أمه، وخالته أم المؤمنين عائشة بنت أبى بكر، وهو أول مولود ولد للمسلمين بالمدينة عقب الهجرة، ومعروف عنه التقوى والصلاح، أما مسألة بخله فذلك راجع إلى حرصه على مال المسلمين، وشدة محاسبته لنفسه، وأن يكون صرف المال لأهله من الفقراء والمحتاجين، فهو يمتثل سيرة عمر بن الخطاب ويسير على نهجه. يرفض عبدالملك كل هذا الكلام، ويصمم على رأيه، وهو القضاء على ابن الزبير، لتكون الدولة خالصة له، لا يشاركه أحد فى ملكه.

يخرج مصعب من خيمة عبدالملك دون الاتفاق على شىء، اللهم إلا محاربة بعضهما بعضا، والغلبة لمن يفوز فى المعركة، لكن باكثير يتوقف فى روايته عند خروج مصعب، ولم يحك أو يرو ما حدث بعد ذلك لمصعب، فكأنه وضع نهاية مفتوحة، وأنت بالخيار فإما الحرب وإما السلام.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة