شحاتة زكريا

التهدئة المؤقتة.. حين تتحول الهدنة إلى أداة صراع

السبت، 28 مارس 2026 03:06 م


في الحروب التقليدية كانت الهدنة تعني استراحة من القتال.. فرصة لالتقاط الأنفاس وربما مدخلا لإنهاء الصراع.
لكن ما نشهده اليوم في المنطقة يعكس مفهوما مختلفا تماما. لم تعد الهدنة تعني التهدئة بقدر ما أصبحت جزءا من إدارة المواجهة نفسها أداة ضمن أدوات الصراع لا خروجا منه.

الإعلان عن وقف مؤقت للضربات في خضم تصعيد متسارع بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع. فالتوقيت وطبيعة الأهداف وحدود هذا التوقف كلها تشير إلى أن ما يحدث ليس تهدئة خالصة بل إعادة ترتيب للمشهد. في مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال: لماذا توقفت الضربات؟ بل: ماذا يُحضر لما بعدها؟.

التاريخ القريب يقول إن الهدنات في الصراعات المعقدة ما تكون بريئة. غالبا ما تأتي محملة بحسابات دقيقة: إعادة تموضع استكمال جاهزية اختبار ردود الفعل أو حتى إعادة صياغة الرسائل السياسية.وهنا يصبح الصمت المؤقت أكثر دلالة من الضجيج. الولايات المتحدة وهي تدير هذا المشهد تتحرك بين مسارين متوازيين. الأول ظاهر يتحدث عن دبلوماسية وتحركات تفاوضية ومحاولة لاحتواء التصعيد.

والثاني أقل وضوحا لكنه حاضر بقوة في تفاصيل التحركات العسكرية والاستعدادات التي لا تتوقف. هذا التداخل بين المسارين ليس جديدا لكنه في اللحظة الراهنة أكثر وضوحا.

لأن طبيعة الصراع نفسها لم تعد تحتمل الحسم السريع ولا تسمح في الوقت ذاته بجمود كامل. كل طرف يريد أن يحتفظ بأوراقه دون أن يدفع نحو مواجهة مفتوحة قد تتجاوز الحسابات. في المقابل تبدو إيران أكثر حذرا في التعاطي مع هذه الإشارات.التشكيك في النوايا الأمريكية ليس مجرد موقف سياسي بل نتاج تراكم طويل من التجارب.ومن هنا فإن أي حديث عن تهدئة يُقابل بقدر من الريبة ليس رفضا للحوار… بل إدراكا لطبيعة اللحظة.

المشكلة أن هذه الحالة من اللا ثقة لا تُعقد فقط مسار التهدئة بل تُبقي الصراع مفتوحا على احتمالات متعددة.

فحين تغيب الأرضية المشتركة يصبح كل تحرك قابلا للتفسير بأكثر من معنى وكل خطوة مرشحة لأن تُقرأ باعتبارها تمهيدًا لشيء أكبر.وفي قلب هذا المشهد تقف المنطقة بأكملها على حافة توتر ممتد. لا حرب شاملة يمكن التنبؤ بمسارها ولا سلام حقيقي يمكن الركون إليه.

فقط حالة من التعليق المستمر حيث تُدار الأزمة دون أن تُحل. هذه الحالة لا تقتصر على الجانب العسكري.

تداعياتها تمتد إلى الاقتصاد إلى أسواق الطاقة إلى حركة التجارة العالمية. أي اضطراب في التوازن حتى لو كان مؤقتا ينعكس على الجميع سواء كانوا أطرافا في الصراع أو خارجه. وهنا تبرز أهمية الدور الذي تلعبه الدول القادرة على التحرك في المساحات  على سبيل المثال تتحرك وفق مقاربة يمكن وصفها بالواقعية الهادئة.

لا تنجرف إلى التصعيد ولا تكتفي بالمراقبة. تحاول أن تفتح مسارات للتهدئة وأن تخلق مساحة يمكن من خلالها إعادة ضبط الإيقاع. هذا الدور لا يقوم فقط على الوساطة بالمعنى التقليدي بل على فهم أعمق لطبيعة الصراع. إدراك أن وقف إطلاق النار في حد ذاته ليس نهاية بل بداية لمسار أكثر تعقيدا.وأن التهدئة الحقيقية لا تتحقق بقرار مؤقت بل ببناء توازن مستدام.لكن التحدي الأكبر هو أن هذا التوازن نفسه أصبح هشا. لأن الأطراف لا تتحرك فقط وفق مصالحها المباشرة بل وفق حسابات أوسع تتعلق بالنفوذ وبمستقبل النظام الدولي وبالصراعات الكامنة التي لم تحسم بعد.

وفي ظل هذا التعقيد تصبح كل خطوة محسوبة… لكنها أيضا محفوفة بالمخاطر.خطأ في التقدير قراءة ناقصة أو تصعيد غير محسوب… قد يدفع الأمور إلى ما هو أبعد من السيطرة. لذلك لا يمكن النظر إلى الهدنة باعتبارها لحظة راحة.بل باعتبارها مرحلة انتقالية تحمل في طياتها احتمالات متعددة. قد تكون مدخلا للتهدئة… وقد تكون تمهيدا لجولة جديدة. في النهاية ما نعيشه اليوم هو صراع لا يُدار فقط بالسلاح بل بالعقل والحسابات الدقيقة.

صراع تستخدم فيه الأدوات التقليدية لكن ضمن منطق مختلف.لا حسم سريع ولا نهاية واضحة فقط إدارة مستمرة للتوتر. وهنا ربما تكون الحقيقة الأهم:
أن أخطر ما في الهدنات المؤقتة… ليس ما تُعلنه بل ما تخفيه. لأن في المسافة بين التوقف والاستئناف
تُعاد كتابة السيناريوهات وتُرسم الخطوات القادمة وقد يتحدد… شكل ما هو آت.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة