تلعب الألوان دورًا محوريًا في تشكيل وعي الإنسان وتكوينه الثقافي والروحي منذ فجر التاريخ. فهي ليست مجرد إحساس بصري، بل لغة قائمة بذاتها، تعبر عن عواطف ومفاهيم ومعانٍ عميقة، وفي الكتاب المقدس نجد حضورًا واضحًا للألوان التي لم تُذكر عبثًا، بل حملت رموزًا لاهوتية وروحية وفلسفية ساهمت في إيصال الرسالة الإلهية بلغة حسية يفهمها الإنسان في كل زمان ومكان.
وأكد قداسة البابا تواضروس الثاني، في مقال فكري بعنوان «الألوان لغة الطبيعة والحياة»، أن للألوان دورًا جوهريًا في التعبير عن المعاني الإنسانية والروحية منذ بدء الخليقة، مشيرًا إلى أن الكتاب المقدس استخدم الألوان كلغة رمزية عميقة تحمل مدلولات لاهوتية وتربوية وروحية.
وأوضح البابا تواضروس أن الألوان ليست مجرد ظاهرة بصرية، بل وسيلة للتعبير، وقد تناولتها علوم مثل سيكولوجية الألوان وفلسفة الجمال. وفي الكتاب المقدس تظهر الألوان بشكل مقصود للدلالة على معاني روحية؛ فاللون الأصفر مثلًا، الذي يرتبط بالشمس والذهب، يرمز إلى المجد الإلهي والنور والحكمة، كما يشير في الوقت نفسه إلى التحذير أو الخطر في بعض السياقات.
ويُذكر الأسود في الكتاب المقدس كرمز للحزن واليأس والخطيئة، مثل قول إرميا النبي: «ناحت السماوات من فوق واسودّت الأرض من تحت» (إر 4: 28). بينما يرتبط اللون الأزرق، أو الأسمانجوني، بالسماء والحكمة الإلهية والملوكية، وقد استُخدم في ستائر خيمة الاجتماع وأقمشة الهيكل.
أما اللون القرمزي (الأحمر) فيحمل رمزين متناقضين؛ فهو لون الخطيئة كما في قول إشعياء «إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج»، لكنه أيضًا رمز الفداء لأنه يشير إلى دم المسيح الذي كفّر عن خطايا البشر. ويأتي اللون الأخضر رمزًا للحياة والنمو، بينما يعبر الأرجوان عن المجد والسلطان الملكي، ويظل الأبيض لون القداسة والطهارة والنور.
واختتم البابا رؤيته مؤكداً أن دراسة الألوان في الكتاب المقدس تكشف أن الوحي استخدم اللون كأداة تعليمية روحية تسهم في فهم الرسالة الإلهية بلغة تتجاوز الكلمات، وتخاطب العقل والقلب معًا.