أصبحت مسألة تأثير التواصل الاجتماعى على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين قضية رئيسية فى أمريكا اللاتينية فى السنوات الأخيرة، حيث بدأ عدد متزايد من الحكومات دراسة إمكانية وضع قيود على وصول القاصرين إلى هذه المنصات.
وتأتى هذه الخطوة في سياق عالمي يتصاعد فيه القلق بشأن الاستخدام المبكر لشبكات مثل تيك توك وانستجرام وفيسبوك، وتأثيرها على تطورهم العقلى والعاطفى بما فى ذلك القلق والاكتئاب ومشاكل الانتباه.
المكسيك
تعد المكسيك من أبرز الدول التي بدأت خطوات ملموسة فى هذا المجال ، وأعلن وزير التعليم المكسيكى ماريو ديلجادو ، أن الحكومة تدرس فرض قيود على دخول الأطفال والمراهقين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، مستندة إلى تجارب دول مثل أستراليا، التي منعت دخول من هم دون 16 عامًا إلى المنصات الرقمية. هذا التوجه يأتي ضمن استراتيجية شاملة تشمل فتح مشاورات مع المجتمع المدني وأولياء الأمور والمختصين في الصحة النفسية، بهدف تقديم مقترحات تنظيمية واضحة قبل يونيو 2026. الهدف الأساسي هو حماية الأطفال من المحتوى الضار وتعزيز ثقافة الاستخدام الآمن للإنترنت.
الأرجنتين
بدأت الأرجنتين أيضًا بدأت في متابعة هذا التوجه، مع دراسة مشاريع قوانين تهدف إلى فرض ضوابط على منصات التواصل الاجتماعي لضمان حماية القاصرين. تشمل هذه المبادرات مراجعة محتوى المنصات، وفرض آليات للفلترة التلقائية، وإلزام الشركات بوضع أدوات للرقابة الأبوية، كما تسعى الحكومة إلى توعية الأهالي بمخاطر التعرض للمحتوى غير المناسب أو المضلل، و يتركز النقاش هناك على الحد من انتشار العنف الرقمي والتنمر الإلكتروني الذي أصبح ظاهرة متزايدة بين الأطفال والمراهقين.
البرازيل
في البرازيل، يتصاعد النقاش حول حماية القاصرين من المحتوى المضر، خاصة بعد تسجيل حوادث مرتبطة بالعنف الرقمي والتحريض على الكراهية، مثل الحالات التي انتشرت على منصة تيك توك مؤخرًا. وقد طالب المسؤولون البرازيليون الشركات الرقمية بتوضيح سياساتها حول المحتوى العنيف أو المسيء، مع التركيز على فرض قيود على الأطفال دون سن معينة. وتعتبر البرازيل إحدى الدول الرائدة في أمريكا اللاتينية في مراقبة محتوى المنصات، بعد أن قامت بتفعيل قوانين صارمة تلزم شبكات التواصل بمسؤولية أكبر عن حماية المستخدمين الصغار.
كولومبيا
اتجهت بدورها إلى اعتماد سياسات مشابهة، حيث تعمل وزارة الاتصالات وتقنيات المعلومات على إعداد دليل توجيهي للأطفال وأولياء الأمور لتحديد أعمار مناسبة لاستخدام الإنترنت، وتشجيع المنصات على توفير أدوات رقابة أبسط وأوضح. يركز هذا التوجه على التوازن بين منح الأطفال فرص التعلم الرقمي والحفاظ على سلامتهم النفسية، مع الحد من التعرض للمحتوى غير الملائم.
تشيلى
في تشيلي، هناك اهتمام متزايد بإجراءات وقائية مماثلة، مع دراسة سن قوانين تحدد عمر الحد الأدنى لدخول المنصات الرقمية، وتفرض على الشركات وضع آليات حماية رقمية متقدمة. تعتبر تشيلي واحدة من الدول الرائدة في المنطقة التي تأخذ الصحة النفسية للأطفال كمحور أساسي للتشريعات المستقبلية المتعلقة بالفضاء الرقمي.
جميع هذه الدول اللاتينية تتشارك في الاعتقاد بأن الشركات المشغلة لوسائل التواصل الاجتماعي تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، إذ تسعى هذه المنصات عادةً لزيادة عدد المتابعين والمشاهدات، دون وضع فلاتر أو أدوات كافية لحماية الأطفال من محتوى قد يضر بصحتهم العقلية أو يرفع مستويات التوتر والقلق لديهم. لذلك، تحاول الحكومات التدخل من خلال التشريعات، وحملات التوعية، والرقابة التقنية لضمان بيئة رقمية أكثر أمانًا.
إلى جانب التشريعات، تركز السياسات أيضًا على التوعية الرقمية، إذ تسعى الحكومات إلى تدريب المعلمين وأولياء الأمور على كيفية متابعة استخدام الأطفال للإنترنت، وتقديم إرشادات حول كيفية اكتشاف علامات الانزعاج النفسي الناتج عن التعرض لمحتوى ضار، وكيفية وضع حدود زمنية لاستخدام المنصات الرقمية.
يمكن القول إن أمريكا اللاتينية بدأت تأخذ موضوع حماية الأطفال والمراهقين من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي على محمل الجد، مستفيدة من التجارب الدولية. في الوقت نفسه، تعمل الدول على إيجاد توازن بين تعزيز المهارات الرقمية للجيل الجديد وحماية صحتهم النفسية، مع إدراك أن التشريعات وحدها لن تكون كافية، بل يتطلب الأمر تعاونًا بين الحكومات، الشركات، والمدارس، والأسر لضمان بيئة رقمية صحية وآمنة.