فى الخامس من شهر الله الحرام، ذى الحجة، وأمام منزلنا الذى شهد أول فرحة وهبنى الله إياها بإقتران اسمى باسمه، وميلاد غرسنا الذى زرعناه فى سيناء التى عشقها هو، وعلمنى كيف يكون العشق للأرض، ومع نهايات أيام العيد الكبير الذى ظلنى طيلة عشرين عاما ولم يرحل هلال هذا العيد الأكبر طوال العقدين، ومع انتحار الشمس ناحية الغرب المميت، حلقت غربانا لم تعتادها سماء سيناء، وفردت أجنحتها السوداء لتخفى ما تبقى من حياة الشمس، وتنفث بنعيقها أصداء الحقد الذى يأبى ألا يطول مُقام العيد فى أزمنة تالية، وتلتهم نيرانها ضوء الشمس فى وسط السماء ليموت هو الآخر قبل آوانه، هى الغربان النعّاقة تختلط فى رسمها الزائف بضباع باتت تكتم عوائها المنكر، لتتجمع من شتات الأرض كجرذان تقفز مهرولة من جحورها مسابقة الزمن فى خسة، وفى خلسة تغافل الليث الجسور، وعن بعد لا تقوى على مواجهته كما الفرسان الشجعان بل من ناحية الظلام تطلق جم حقدها الأسود، وهى لا تدرى أنها بشنيع صنعها تهدى الحلم للبطل الذى بات ليالى العيد الأكبر يناجى ربه فى عليائه أن يقبله عنده ممن تسيل دمائهم على ثرى مسرى الأنبياء وخاتمهم صلى الله عليه وسلم وبارك، وتتخضب الأرض بحمرة الورد وعبيره الفواح، ويبتسم البطل مطلقا بصره إلى أعلى - كما تمنى وأخلص- يناجى مولاه الذى صدقه وعده، وكانت الطلقات التى دوت كآذان العصر لتدعوا من أحبهم وأحبوه ليشهدوا معنى حى على الفلاح، وقد أفلح البطل، وبالقرب فى الأعلى عند هذه النافذة التى اعتادت أطفالنا أن تستقبل قدوم والدهم، كانت الإبنة الصغرى تبتسم وتلوح بيمينها وتتدلل مع ضفيرتيها فرحة تطنطن باسم والدها، ويروح خاطرها ويجىء لتلتقط منه حاجاتها التى ستدسها فى قائمة مطالبها اليومية من هذا الأب الذى لم يقل لها لا، ويهلل الإبن الأصغر فى التلويح بيده فى الهواء فى إشارة ضمنية يدركها والده بأنه يريد ملىء يده بالحلوى، وهو يشير إليهما بالتمهل حتى يصعد إليهما، ويخشى عليهما من اندفاعهما بفرحة مجيئه، وتتحجر أعين الأطفال البريئة إذ ترى عينا والدهما مضطربة، هائجة، خائفة عليهما مما حال إليه حاله، فى مشاعر ما بين الخوف على الصغار من هول الصدمة، وما بين القلق عليهم مما هو آت، وقد قُرّت حامدة، ساجدة لربها الذى آتاها ما أرادت، والزوجة تفزعها صرخات الأطفال فتأخذ المسافات كالريح المرسلة وتجد نفسها تحمل رأسه كما كان يفعل دائما عندما تتكالب عليها الأحمال على صدرها الذى وسع العمر والقدر، وينظران فى حديث كما بدآه هما الإثنين من عقدين من عمر سيناء أمام عتبات هذا البيت، وكانا قد تعاهدا على أمور عدة فى وجد صامت، والآن يتحدثان فى صمت صاخب وهى تؤنبه عند تكرارها عليه بالرحيل من سيناء، وتعاتبه على فراقه لها وهو من تعهد بالبقاء طول العمر أمام هذه العتبات، الشاهدة، وهو يُهدىء من روعها، ويحدثها بأحاديث الإيمان التى تجاذباها سرا عندما كانت تمسك به وهو يتغزل – ليلا- فى سيناء، ويتضرع لربه طالبا أن تحتضنه فى ثراها، وفى عفوية تمد أناملها لتتخلل منبت شعره، ولتزيح عنه عناء اليوم وكده، ولكنها تتفاجأ هذه المرة بأنها تتحسس عرقا لا كالذى تعرفه، وإن كانت تطرده من أحلامها – كثيرا -، لا لم يكن ماء العرق والكد، إنما الآن هو ماء الحياة والراحة الذى يتفلت بين أصابعها وهى لا تقوى على الإمساك به، إنها تفقد كل قوة كانت بها لتقبض على ما تبقى من حياتها التى تتسلل أمام أعينها ولا تملك إلا أن تقول له صدقت وصدقك الله، أحببت وأحبتك سيناء...
فى فخر تستحقه تبدأ البطلة زوجة الشهيد حكاية البطل:" أنا نجلاء محمد رضوان بنت سيناء وشريكة الشهيد اللواء أحمد عسكر... الشهيد اللواء أحمد محمد عبدالستار عسكر مدير إدارة الاحوال المدنية بمحافظة شمال سيناء، وهو من أبناء محافظة المنوفية مركز شبين الكوم، وكان والديه يعملان بالتربية والتعليم، وله أربع إخوة ولدين وبنتين، درس مراحل تعليمه فى شبين الكوم حتى حصل على الثانوية العامة، والتحق بكلية الشرطة وكان من المتفوقين داخل الكلية، ولذلك بعد تخرجه قامت الوزارة بتخيير الأوائل للعمل فى الأماكن الذين يرغبوا الخدمة بها، واختار الشهيد أحمد عسكر العمل فى محافظة شمال سيناء حيث إنه كان من أوائل الكلية، وكانت ترتيبه السابع عشر، وعندما علما والديه بإختياره محافظة شمال سيناء اعترضوا لبعد المسافة ولرغبتهم فى وجود ابنهم بجانبهم، ولكن قام بإقناعهم بالعمل فى محافظة شمال سيناء بجملة كان طيلة حياته يرددها حتى لى أنا وأولاده:"أنا حاسس أن كل حاجة جميلة وحلوة ح تحصلى هنا فى سيناء" … ولأنه صدق وعده مع ربه فى الإخلاص باجتهاده فى عمله وحسن أدائه ليبقى فى سيناء عمره كله، الذى تمنى مع بدايات خطواتنا فى سيناء أن تنتهى حياته هنا فى تراب سيناء التى أحبها وأحب أهلها، فكان أول مراحل عمله الشرطى بسيناء كمعاون مباحث قسم رفح فى الثامن من نوفمبر ١٩٩١ وكان يحب أهل مدينة رفح جدا، وكان السكن الخاص به فى مدينة العريش، والعمل كان فى مدينة رفح، وفى ذلك الأثناء كان البطل صديق لأخى، وفى تلك الفترة طلب يدى من أخى تمهيدا لطلبى من والدى، وسبحانك يا الله، من هنا وبدأت الأحداث تتوالى على بكل شىء جميل فى محافظة شمال سيناء، وقبل الزواج كنا نقيم فى القاهرة ولكن قرر والدى العودة إلى موطننا محافظة شمال سيناء، وكان قرار والدى سبب سعادتى، حيث تمت خطبتنا فى الرابع عشر من فبراير ١٩٩٢وفى ذلك الوقت كنت طالبة فى كلية التربية، وطلب الشهيد من والدى أن نتزوج، وعاهد والدى على انه سيساعدنى على إكمال تعليمى، وفعلا صدق الوعد حتى وصلت لتمهيدى الماجستير، وتم زواجنا فى نفس العام التى تمت فيه خطبتنا، وكان نعم الزوج والحبيب منذ لحظة معرفتى به وذلك حتى أخر لحظة له معى، وكان واضح لكل من حولنا أننى فى نعمة من الله مع هذا الزوج الكريم العشرة، وفى تلك الأثناء كان يعمل معاون مباحث قسم نخل مع الخامس من مايو ١٩٩٢ وكان دائما ما يقول:" أنا بحب سيناء جدا ونفسى أخدم أهل كل منطقة فيها"، وفى هذه الفترة رزقنا بابنتنا الكبيرة روان وكانت فرحته كبيرة ولا توصف، وقال يوم ولادتها:" أجمل حاجه أن بنتى اتولدت هنا فى العريش"، وبعد ذلك عُين رئيس مباحث قسم رفح فى الخامس من ابريل ١٩٩٤ ثم وظيفة رئيس مباحث قسم رمانة فى السادس من أغسطس ١٩٩٤ وفى عام ١٩٩٥ رزقنا بالمولدة الثانية رؤى، وكنت قلقة لكوننا رزقنا ببنتين وعندما تحدثت معه فى ذلك الموضوع قال لى:" أنا راضى وفرحان بكل إللى ربنا يرزقنى بيه حتى لو جبت ١٠ بنات" وفعلًا كان ونعم الزوج والحبيب، وبعد أن عمل فى رفح ونخل ورمانة، عاد إلى العريش ليعمل بمكافحة جرائم الأموال العامة فى العاشر من أغسطس ١٩٩٦ ثم شغل وظيفة رئيس قسم المعلومات الجنائية فى الثامن عشر من نوقمبر ١٩٩٦ ثم بعد ذلك عمل بمنصب ضابط بمركز الرئاسة فى العاشر من أغسطس ١٩٩٩ وفى ذلك التوقيت رزقنا بابننا محمد الذى أكمل مشوار والده فيما بعد والتحق بكلية الشرطة وتخرج وهو الآن برتبة الملازم أول، ثم شغل زوجى وظيفة ضابط بإدارة المرور فى الثالث من فبراير ٢٠٠٠ وتم تكريمه بمنحه شهادة التميز فى عيد الشرطة عام ٢٠٠١ ثم عمل كرئيس وحدات المرور فى الثانى والعشرين من ابريل ٢٠٠٢ ثم رئيس قسم شئون الضباط بمركز الرئاسة فى السادس من اغسطس ٢٠٠٢ وأثناء عمله فى ذلك التوقيت أيضًا تم ترشيحه واختياره للمشاركة والعمل ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والسفر لمدة عام من ٢٠٠٢ حتى ٢٠٠٣ وبعد إتمام المهمة تم تخييره للعمل فى أى مكان داخل الجمهورية ووقتها طالب بالعودة للعمل فى محافظة شمال سيناء مرة أخرى لعشقه لتراب سيناء، وبالفعل عاد إلى محافظة شمال سيناء، وشغل رئيس حرس الجامعة بتاريخ الخامس من اغسطس ٢٠٠٦ وفى ذلك الوقت رزقنا بابننا بشار، ثم نقل فى 2007 لقطاع الأحوال المدنية لمدة عام، ثم نائب مدير بإدارة الأحوال المدنية بشمال سيناء فى الخامس من سبتمبر ٢٠٠٩ وفى ذلك التوقيت رزقنا بابننا يوسف، وفى الخامس والعشرين من اغسطس 2012 شغل منصب مدير إدارة الأحوال المدنية بشمال سيناء، وبإستمرار عمله بشمال سيناء استطاع أن يقدم خدمات كثيرة لأهل سيناء الذى أحبهم وأحبوه وحقق ما كان يريد أن يفعله لأهل سيناء، فقد كان على علاقات طيبة بأهل هذه المحافظة حيث إنهم حزنوا حزنًا شديدًا على اغتياله.
وخلال الأحداث الدامية التى مرت بها سيناء لم يتقدم بطلب العمل فى أية محافظة أخرى، وكان يردد لى:"... لو أرد أى انسان لى شر ا وخططت الجماعة الإرهابية على أن يضرونى بشئ فهذا سوف يكون قدر الله وإرادته سبحانه وتعالى"، وكان دائما يقول لإبنى محمد:"... الجبان بيموت مائة مرة ومرة، إنما الشجاع بيموت مرة واحدة".
وكان رحمة الله عليه دائمآ يتمنى الشهادة، وعندما كان يطلب فى دعاءه بالشهادة أمامى كنت أبكى من شدة خوفى عليه ومن قسوة ما أراه يحدث فى سيناء لرجال الشرطة والجيش، واقول:" متوجعش قلبى بالكلام ده، أنا محتاجه ليك، أنا واولادك، هتسيبنا لمين؟!"، وكان يقول:" وهو حد يطول الشهادة، تفتكرى أن ممكن ربنا يقبل منى؟ متخافيش الشهادة دية مش لأى حد يا نجلاء" وكنت أغير الكلام معاه عن الموضوع ده، لكن بمجرد ما كان يسمع عن شهيد اسمعه يبكى مه نقسه ويدعوا الله بالشهادة ويقول عن الشهيد:" يا بختك عقبالى يارب " وأرجع أبكى من علمى اليقين بصدق دعاءه ويشتدد جزعى عليه.
وتحكى السيدة البطلة:" من بداية الأحداث المؤلمة قلبى كان موجوع عليه، وكنت خايفه جدا، كان أثناء الأحداث ينزل البلد، ويمشى بكل جراءة، وكان مطمأن أن مش ح يحصل له إلا إللى ربنا كاتبه ليه، وكنا ننزل معاه، ولما كنت أبين ليه إنى خايفة، كان يطمنى أنا والأولاد، ولما اشتدت الأحداث طلبت منه إننا نمشى من شمال سيناء خوفًا عليه، وقتها طلب منى إنى ما اتكلمش فى الموضوع ده تانى لأنه مش هايمشى من سيناء غير لما الأمن والآمان يرجع للبلد من تانى، فكان علشان يطمنى يقولى: متخفيش، والله العظيم لما كنا بنبقى مسافرين ونرجع العريش اول ما نعدى قناة السويس كان يقولى: بحس انى روحى ردت لى أول ما بدخل سيناء"
وتتنهد السيدة وتطلق للفضاء زفيرا بعيد علها تجد الراحة فى خروج نار الحزن من صدرها الممتلىء والمفعم بعبير حبيبها ابن سيناء، وتقول بثبات المرأة السيناوية وشموخها الذى لا تكسره الأقدار، والتى هى تعلمت الإيمان بها من نصح حبيبها الأوحد وتقول:" فى يوم السبت التاسع عشر من سبتمبر ٢٠١٥ الخامس من شهر ذو الحجة أحمد روى أرض سيناء بدمه الطاهر، الشهيد أحمد تم اغتياله – هنا - أمام بنته روان وابنه يوسف، أمام منزلنا، كان منتظره ملثمين من كلاب أهل النار ظهروا من الخفاء وفتحوا نيران بنادقهم الألى واغتالوه أمام أولاده وأمام منزله، وبمجرد سماع ضرب النار أولادى كلهم نظروا من الشباك ليتفاجئوا بأن والدهم على الأرض ملقى وتسيل منه الدماء بغزارة من شدة وكثرة الطلقات التى أطلقها الارهابيون على الشهيد البطل، وامام هذا المشهد الذى لم نستطع تحمله، وكانت أقسى وأصعب لحظات عمرنا عندما نزلت إليه لأضمه إلى حضنى، ورأيت أحمد يبتسم ابتسامة تحقيق أمنيته، رحم الله كان هو كل الحياة لى ولأبنائه، وكانت سيناء هى كل حياته، والشهادة هى دعوته الوحيدة لربه".
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)